تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
ويذهب الكفر ، أي : لا يبقى إلا مسلم أو مسالم ، وقيل : المعنى حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم ، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة . وروي عن الحسن وعطاء أنهما قالا : في الآية تقديم وتأخير ، والمعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب وأوزارها ، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ، وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكية أو منسوخة ؟ فقيل : إنها منسوخة في أهل الأوثان ، وأنه لا يجوز أن يفادوا ، ولا يمن عليهم ، والناسخ لها قوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] ، وقوله :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
[ الأنفال : 57 ] وقوله :
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وكثير من الكوفيين قالوا : والمائدة آخر ما نزل فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه ، كالنساء والصبيان ، ومن تؤخذ منه الجزية ، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة . وقيل : إن هذه الآية ناسخة لقوله :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[ التوبة : 5 ] ، روي ذلك عن عطاء وغيره ، وقال كثير من العلماء : إن الآية محكمة وإن الإمام مخير بين القتل والأسر ، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء ، وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وغيرهم ، وهذا هو الراجح لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك ، وقال سعيد بن جبير : لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الاثخان والقتل بالسيف ، لقوله :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ
[ الأنفال : 67 ] ، فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره . وعن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماما مهديا ، وحكما عدلا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، وتضع الحرب أوزارها » ، رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه . وعن سلمة بن نفيل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، من حديث قال : « ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج » « 1 » ، رواه ابن مردويه وابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني . والحاصل أن حتى غاية لأحد الأمور الأربعة أو للمجموع عند الشافعي وأما عند أبي حنيفة فإن حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء وإن حملت على الجنس فهي غاية للضرب والشد والمراد بالوضع ترك القتال ، ولو كان الشخص متقلدا بآلته .
ذلِكَ
أي الأمر ذلك ، وقيل : ذلك حكم الكفار ، وقيل : افعلوا ذلك
وَلَوْ
هامش
( 1 ) أخرجه النسائي في الخيل باب 1 ، وابن ماجة في الفتن باب 33 ، وأحمد في المسند 4 / 104 ، 5 / 306 .