وَعْدَ الصِّدْقِ
مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، لأن قوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ
في معنى الوعد بالتقبل ، والتجاوز ، ويجوز أن يكون مصدرا لفعل محذوف ، أي ووعدهم اللّه وعد الصدق .
الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ
به على ألسن الرسل في الدنيا ، عن ابن عباس قال :
« أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، فاستجاب اللّه له ، فأسلم والداه جميعا وإخوانه وولده كلهم » ، ونزلت فيه أيضا :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى
[ الليل : 5 ] إلى آخر السورة » .
وقال النسفي : قيل : نزلت في أبي بكر الصديق وفي أبيه أبي قحافة ، وأمه أم الخير ، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم ، فإنه آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة ، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار ، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه .
ولما ذكر سبحانه من شكر نعمة اللّه عليه وعلى والديه ، ذكر من قال لهما قولا يدل على التضجر منهما ، عند دعوتهما له إلى الإيمان فقال :
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول ، ولهذا أخبر عنه بالجمع ، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه ، قرىء أف بكسر الفاء مع التنوين ، وقرىء بفتحها من غير تنوين وقرىء بكسرها من غير تنوين فالقراآت ثلاثة سبعية والهمزة في الكل مضمومة وقد مضى بيان الكلام على هذا في سورة بني إسرائيل واللام في لكما لبيان المؤفف له كما في قوله :
هَيْتَ لَكَ
[ يوسف : 23 ] .
وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال : كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية عليه ما عليه لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا ، فقال : خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه . فقال مروان إن هذا أنزل فيه
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ،
فقالت عائشة : ما أنزل اللّه فينا شيئا من القرآن إلا أن اللّه أنزل عذري » « 1 » .
وعن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر ، فقال مروان هذا الذي قال اللّه فيه
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
الآية فبلغ ذلك عائشة كذب مروان واللّه ما هو به ، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته ، ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعن أبا مروان
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 46 ، باب 1 .