تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
على الأم لأن حقها أعظم ولذلك كان لها ثلثا البر قاله الخطيب ، قرأ الجمهور كرها بضم الكاف في الموضعين ، وقرىء بفتحها ، قال الكسائي وهما لغتان بمعنى واحد ، قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة ، واختار أبو عبيدة الفتح ، وقال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة البقرة .
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] وقيل : إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه ، وبالفتح ما حمل على غيره ، وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيدا لوجوب الاحسان إليها الذي وصى اللّه به ، والمعنى أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره ، ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال :
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
أي عدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع أي يفطم عنه ؛ وقد استدل بهذه الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع سنتان أي مدة الرضاع الكامل في قوله :
حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ
[ البقرة : 233 ] ، فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع ، وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب ، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب . ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك . قرأ الجمهور
فِصالُهُ
بالألف ، وقرىء فصله بفتح الفاء وسكون الصاد والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف ، عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال : « إني لصاحب المرأة التي اتى بها عمر وضعت لستة أشهر ، فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر لم تظلم ؟ قال كيف ؟ قلت اقرأ
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
[ البقرة : 233 ] كم الحول ؟ قال : سنة ، قلت : كم السنة ؟ قال اثنا عشر شهرا ، قلت : فأربعة وعشرون شهرا حولان كاملان ، ويؤخر اللّه من الحمل ما شاء ، ويقدم ما شاء فاستراح عمر إلى قوله » ، وعنه أنه يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرا وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرا وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان لأن اللّه يقول
وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً .
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ
أي بلغ استحكام قوته وعقله ، وغاية شبابه واستوائه ، وهو جمع لا واحد له من لفظه ، وكان سيبويه يقول : واحده شدة ، وبلوغ الأشد أن يكتهل ، ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته ولبه . وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين ، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى ، ولا بد من تقدير جملة تكون حتى غاية لها ، أي عاش واستمرت حياته ، وقيل : بلغ عمره ثماني عشرة سنة . وقيل : الأشد الحلم ، قاله الشعبي وابن زيد ، وقال الحسن : وهو بلوغ الأربعين والأول أولى لقوله :
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ