تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « قال اللّه عز وجل : يؤذيني ابن آدم الحديث » ، وفي الموطأ عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر ، فإن اللّه هو الدهر » « 1 » ، وقد استدل بهذا الحديث من قال : إن الدهر من أسماء اللّه تعالى ، ومرادهم بهذا الحصر إنكار أن يكون الموت بواسطة ملك الموت وإضافة الحوادث إلى الدهر والزمان ، وأن المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام والليالي .
وَما لَهُمْ بِذلِكَ
أي بنسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال
مِنْ عِلْمٍ
ثم بين كون ذلك صادرا منهم لا عن علم فقال :
إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
أي ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن ، فما يتكلمون إلا به ، ولا يستندون إلا إليه .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ
أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث أو مبينات لما يخالف معتقدهم قاله الكرخي .
ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا
أحياء
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنا نبعث بعد الموت أي ما كان لهم حجة ولا متمسك ولا متشبث يتعلقون ويعارضون به إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء وإنما سماه حجة مع أنه ليس بحجة لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته ، وساقوه مساقها فسمي حجة على سبيل التهكم ، أو لأنه في حسابهم وتقديرهم حجة ، ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرد عليهم فقال :
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ
في الدنيا
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ
عند انقضاء آجالكم
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى
أي في
يَوْمِ الْقِيامَةِ
بالبعث والنشور
لا رَيْبَ فِيهِ
أي في جمعكم لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته ، وفي هذا رد لقولهم ،
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
بذلك لإعراضهم عن التفكر بالدلائل ، فلهذا حصل معهم الشك في البعث وجاؤوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين ، واندفع عنهم الريب ، وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة ، ثم لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك فقال :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي هو المتصرف فيهما وحده كما أراد لا
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 101 ، ومسلم في الألفاظ حديث 4 ، ومالك في الكلام حديث 3 ، وأحمد في المسند 2 / 259 ، 272 ، 275 ، 318 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 285 | صديق الحسيني القنوجي البخاري