الغين . وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين ، وهي لغة ربيعة ، وقرىء بضمها وهي لغة عكل .
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
أي بعد إضلال اللّه له أي لا يهتدي
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
تذكر اعتبار ، حتى تعلموا حقيقة الحال ؛ قال الواحدي : ليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة ، لأن اللّه صرح بمنعه إياه عن الهدى حتى أخبر أنه ختم على سمعه وقلبه وبصره ، ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال :
[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 24 إلى 27 ]
وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 24 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 25 ) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 26 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ( 27 )
وَقالُوا
أي منكرو البعث
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
أي ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها
نَمُوتُ وَنَحْيا
أي يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ، وقيل نموت نحن ويحيا فيها أولادنا ، وقيل نكون نطفا ميتة ثم نصير أحياء ، وقيل في الآية تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وكذا قرأ ابن مسعود وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب الآخرة وقيل : هذا من كلام من يقول بالتناسخ أي بموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به .
وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
أي مرور الليالي والأيام ، والدهر في الأصل مدة بقاء العالم ، من دهره إذا غلبه . وفي القاموس : دهرهم أمر كمنع نزل بهم مكروه ، فهم مدهور بهم ، ومدهورون ، وقرىء إلا دهر يمر قال مجاهد يعني السنين والأيام انتهى .
كانوا يزعمون أن مرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبض الأرواح بإذن اللّه ، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان ، ألا ترى أن أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ؟ وقال قتادة : إلا العمر ؛ والمعنى واحد ؛ وقال قطرب المعنى وما يهلكنا إلا الموت وقال عكرمة : وما يهلكنا إلا اللّه .
عن أبي هريرة قال : « كان أهل الجاهلية يقولون : إنما يهلكنا الليل والنهار ، وهو الذي يحيينا ويميتنا ، فيسبون الدهر ، فقال اللّه تعالى : يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 45 ، باب 1 ، والتوحيد باب 35 ، ومسلم في الألفاظ حديث 2 ، 3 ، وأبو داود في الأدب باب 169 ، وأحمد في المسند 2 / 238 ، 272 .