وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ
أي شرائع واضحات في الحلال والحرام ، أو معجزات ظاهرات ، وقيل : العلم بمبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شواهد نبوته ، وتعيين مهاجره
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
أي فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه ، وإيضاح معناه ، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجبا لثبوته ، وقيل المراد بالعلم يوشع بن نون فإنه آمن به بعضهم ، وكفر بعضهم وقيل نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فاختلفوا فيها حسدا و :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
قيل بغيا من بعضهم على بعض يطلب الرياسة
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
من أمر الدين فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته .
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
ثم للاستئناف والشريعة في اللغة المذهب والملة والمنهاج ويقال لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة ، والجمع شرائع ، فاستعير ذلك للدين لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم ، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد ، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه اللّه لعباده من الدين ، أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق وقال ابن عباس : على هدى من أمر دينه ، قال قتادة الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض البينة ، لأنها طريق إلى الحق ، وقال الكلبي : السنة لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء وقال ابن زيد : الدين لأنه طريق إلى النجاة وقال ابن العربي : الأمر يرد في اللغة بمعنيين أحدهما بمعنى الشأن كقوله :
فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
[ هود : 97 ] والثاني ما يقابله النهي وكلاهما يصح أن يكون مرادا هنا وتقدير ثم جعلناك على طريقة من الدين ، وهي ملة الإسلام ، كما قال تعالى
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
[ النحل : 123 ] ولا خلاف أن اللّه تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح ، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه سبحانه وتعالى .
فَاتَّبِعْها
أي فاعمل بأحكامها في أمتك
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
توحيد اللّه وشرائعه لعباده ، وهم كفار قريش ومن وافقهم ،
ثم علل النهي عن اتباع أهوائهم فقال :
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي لا يدفعون عنك شيئا مما أراده اللّه بك إن اتبعت أهوائهم .
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
أي أنصار ينصر بعضهم بعضا لأن الجنسية علة الانضمام قال ابن زيد إن المنافقين أولياء اليهود
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ
أي ناصرهم ، والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي
والإشارة بقول
هذا
إلى القرآن أو إلى اتباع الشريعة .