تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
لا بطريق عقلي ، ولا بدليل نقلي ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف ، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين ، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل . ومما يدل عليه أيضا من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق ، وذلك لأنه كما حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة ، فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة ، فلو كان التقليد ، طريقا إلى الحق لوجوب كون الشيء ونقيضه حقا ، ومعلوم أن ذلك باطل ، وأنه تعالى بين أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا ، وحب الكسل والبطالة ، وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال ، لقوله :
إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها
والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة ، أي أبطرتهم ، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ، ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق أه . أقول : وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية ، منها ما ذكره ابن القيم ، وأنا أورده ههنا قال : يقال لمن حكم بالتقليد : هل لك من حجة فيما حكمت به ؟ فإن قال : نعم بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد ، وإن قال : حكمت به بغير حجة ، قيل له : فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم اللّه ذلك إلا بحجة قال اللّه عز وجل .
إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا
[ يونس : 68 ] أي من حجة بهذا ، فإذا قال أنا أعلم أني قد أصبت ، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كثيرا من العلماء ، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت على قيل له : إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى ، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك ، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك . فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن أبى ذلك نقض قوله : وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ؟ ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما ؟ وهذا تناقض ، فإن قال لأن معلمي - وإن كان أصغر - فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه ، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك ، قيل له وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فليلزمه تقليده ، وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك ؛ فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله ، والأعلى للأدنى أبدا ، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضا وفسادا .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 227 | صديق الحسيني القنوجي البخاري