أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ
أي أحضروا خلق اللّه إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور وفي هذا تهكم بهم ، وتجهيل لهم ، وقرأ الجمهور :
سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ
بضم الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم ، وقرىء بالنون وبناء الفعل للفاعل ، ونصب شهادتهم ، وقرىء شهاداتهم بالجمع ، والمعنى سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم ، لنجازيهم على ذلك ، قال البقاعي يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به
وَيُسْئَلُونَ
عنها يوم القيامة في الآخرة ، وهذا وعيد . قال سليمان الجمل وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر ، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم انتهى .
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
هذا فن آخر من فنون كفرهم باللّه جاؤوا به للاستهزاء والسخرية ، ومعناه لو شاء الرحمن في زعمكم عدم عبادة الملائكة ما عبدنا هذه الملائكة ، فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها ، أو على حسنها ، وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض ، مأمورا كان أو منهيا ، حسنا كان أو غيره ، وبالجملة هذا كلام حق يراد به باطل ، وقد مضى بيانه في الأنعام ، وتعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن اللّه لم يشأ الكفر من الكافر ، وإنما شاء الإيمان ، فإن الكفار ادعوا أن اللّه شاء منهم الكفر ، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام فرد اللّه عليهم قولهم واعتقادهم ، وبين جهلهم بقوله :
ما لَهُمْ بِذلِكَ
أي بما قالوه من أن اللّه لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم
مِنْ عِلْمٍ
بل تكلموا بذلك جهلا ، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلا ، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي . وقيل : الإشارة بذلك إلى قوله
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
قاله قتادة ومقاتل والكلبي ، وقال مجاهد وابن جريج أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم ثم بين انتفاء علمهم بقوله :
إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلا باطلا ، قال هنا
يَخْرُصُونَ
وفي الجاثية
يَظُنُّونَ
[ البقرة : 46 ] ، هذا كذب فناسبه الخرص وما هناك صدق مخلوط بالكذب فناسبه الظن .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 21 إلى 23 ]
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 )
أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ
أم هي المنقطعة بمعنى همزة الاستفهام الإنكاري أي أأعطيناهم كتابا من قبل القرآن ، بما ادعوه بأن يعبدوا غير اللّه وقيل إن الضمير في
مِنْ قَبْلِهِ
يعود إلى ادعائهم ، أي أم آتيناهم كتابا من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما