تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
قال أبو عمرو قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين ، وإدراك المعلوم على ما هو به ، فمن بان له الشيء فقد علمه ، قالوا والمقلد لا علم له ، لم يختلفوا في ذلك ، ومن ههنا واللّه أعلم قال البحتري :
عرف العالمون فضلك بالعل * م وقال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على فض * لك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد اللّه بن خواز منداد البصري المالكي : التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله ، وذلك ممنوع منه في الشريعة ، والاتباع ما ثبت عليه حجة . وقال في موضع آخر من كتابه كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده ، والتقليد في دين اللّه غير صحيح وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه ، والاتباع في الدين مسوغ ، والتقليد ممنوع اه . قال ابن حارث : هذا واللّه الدين الكامل والعقل الراجح . لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن اه . ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أن يرد عليهم فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 24 إلى 25 ]

قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 24 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 )
قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ
أي أتتبعون آباءكم وتقلدونهم ؟ ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ؟ قال الزجاج المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإن جئتكم بأهدى منه ؟ قرأ الجمهور قل وقرىء قال : وهو حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم ، أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته ، وقيل إن كلتا القراءتين حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته المقلدين ، كأنه قال لكل نبي قل بدليل قوله :
قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
قال الشوكاني وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه ، فإن هؤلاء المقلدة في الاسلام إنما يعملون بقول أسلافهم ، ويتبعون آثارهم ، ويقتدون بهم فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها ، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ، ولا حجة واضحة ، بل لمجرد قيل وقال لشبهة داحضة ، وحجة زائفة ، ومقالة باطلة ، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
[ الزخرف : 23 ] أو بما يلاقي معناه معنى ذلك . فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الاسلامية وشملنا هذا الدين