يدعونه ؟ والأول أولى أو أم معادلة لقوله أشهدوا فتكون متصلة ، والمعنى أحضروا أم آتيناهم كتابا الخ والأول أرجح وأولى ، كما أفاده الشهاب
فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
يأخذون بما فيه ويحتجون به ويجعلونه لهم دليلا .
ثم بيّن سبحانه أنه لا حجة بأيديهم ولا شبهة ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
أي على طريقة ومذهب ، قال أبو عبيدة هي الطريقة والدين ، وبه قال ابن عباس وقتادة وغيره قال الجوهري والأمة الطريقة والدين يقال فلان لا أمة له ولا نحلة أي لا دين له وقال الفراء وقطرب على قبلة . وقال الأخفش على استقامة قرأ الجمهور أمة بالضم ، وقرىء بكسرها قال الجوهري والإمة بالكسر النعمة والإمة أيضا لغة في الأمة .
وَإِنَّا
ماشون
عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
بهم وكانوا يعبدون غير اللّه اعترفوا بأنه لا مستند لهم من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع والبيان سوى تقليد آبائهم قال الخازن جعلوا أنفسهم مهتدين باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة انتهى ؛ وعبارة أبي السعود لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية ، بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم اه .
وقال هنا : مهتدون ، وفيما بعده : مقتدون ، لأن الأول وقع في محاجتهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين ، وأنهم مهتدون كآبائهم ، فناسبه مهتدون والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء ، فناسبه مقتدون ، أفاده الكرخي .
ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة ، وقال بها فقال :
وَكَذلِكَ
أي الأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد ، وقوله :
ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
استئناف مبين لذلك ، دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم ، ليس لأسلافهم أيضا مستند غيره ، قاله أبو السعود ، والمترفون الأغنياء والرؤساء والمتنعمون جمع مترف . اسم مفعول من أترف ، وأترفته النعمة أطغته .
قال الكرخي : هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم ، وأن من تقدمهم أيضا لم يكن لهم مستند منظور إليه ، وتخصيص المترفين للإشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطر ، وصرفهم عن النظر إلى التقليد انتهى . والأمة هي من الأم وهو القصد ، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد ، ومقتدون أي متبعون ، قاله قتادة ، قال النسفي : وهذه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبيان أن تقليد الآباء داء قديم اه .
قال الرازي في تفسيره : لو لم يكن في كتاب اللّه إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد ، وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه