تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
المحمدي ، ولم يتعبدنا اللّه ولا تعبدكم ولا آباءكم من قبلكم إلا بكتابة الذي أنزله على رسوله ، وبما صح عن رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه المبين لكتاب اللّه ، الموضح لمعانيه ، الفارق بين محكمه ومتشابهه ، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب اللّه وسنة رسوله ، كما أمرنا اللّه بذلك في كتابه بقوله :
فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[ النساء : 59 ] فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم ، نفروا نفور الوحش ، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر ، كأنهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه :
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
[ النور : 51 ] ولا قوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ النساء : 65 ] . فإن قال لهم القائل : هذا العالم الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب اللّه وسنة رسوله ، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم ، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل ، فذلك رخصة له ، لا يحل أن يتبعه غيره عليها ، ولا يجوز له العمل بها ، وقد وجد الدليل الذي لم يجده ، وها أنا أوجدكموه في كتاب اللّه ، أو فيما صح من سنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم ، قالوا : لا نعمل بهذا ، ولا سمع لك ولا طاعة ، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة ، ولم يسلموا لذلك ولا أذعنوا له . وقد وهب لهم الشيطان عصا يتوكؤون عليها عند أن يستمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة ، وهي أنهم يقولون : إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب اللّه وسنة رسوله ، وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر وكثرة الأتباع ، وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم . فإنه لو قيل لهم : إن في التابعين من هو أعظم قدرا وأقدم عصرا من صاحبكم ، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا وأجل قدرا ، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة رضي اللّه عنهم من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر ، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا وأجل خطرا ، وأكثر اتباعا ، وأقدم عصرا ، وهو محمد بن عبد اللّه نبينا ونبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورسول اللّه إلينا وإليكم ، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الاسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرنا بعد قرن ، وعصرا بعد عصر ، وهذا كتاب ربنا خالق الكل ، ورازق الكل ، وموجد الكل ، بين أظهرنا ، موجود في كل بيت ، وبيد كل مسلم ، لم يلحقه تغيير ولا تبديل ، ولا زيادة ولا نقص ، ولا تحريف ولا تصحيف ، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه ، ويتعقل معانيه ، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه ، ونشرب صفو الماء من منبعه ، فهو مما وجدتم عليه آباءكم .