تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
قالوا : لا سمع ولا طاعة ، إما بلسان القال أو بلسان الحال ، فتدبر هذا وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف وشعبة من خير ، ومزعة من حياء ، وحصة من دين ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وقد أوضحت هذا غاية الايضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب انتهى . وقد أوضحه الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين فأرجع إليهما إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب ، وتنقشع لك سحائب التقليد .
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ
وذلك الانتقام ما أوقعه اللّه بقوم نوح وعاد وثمود بما استحقوه على إصرارهم على التقليد
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
للأنبياء من تلك الأمم . فإن آثارهم موجودة ، ولا تكترث بتكذيب قومك لك ، ثم لما بيّن في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف ، وبين أنه طريق باطل ، ومنهج فاسد ، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد ، أردفه بهذه الآية :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 26 إلى 31 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 )
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ
الذي هو أعظم آبائهم ، ومحط فخرهم ، والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن غيرهم
لِأَبِيهِ
أي واذكر لهم وقت قوله لأبيه من غير أن يقلده ، كما قلدتم أنتم آباءكم
وَقَوْمِهِ
أي الذين قلدوا آباءهم ، وعبدوا الأصنام .
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ
تبرأ مما هم عليه وتمسك بالبرهان ، ليسلكوا مسلكه في الاستدلال ، والبراء مصدر نعت به للمبالغة ، وهو يستعمل للواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث ، وقال الجوهري : وتبرأت من كذا وأنا منه براء وخلاء لا يثنى ولا يجمع ، لأنه مصدر في الأصل وبه قال الكسائي والمبرد والزجاج ، ثم استثنى خالقه من البراءة فقال :
إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
أي خلقني ، والاستثناء منقطع أي لكن الذي فطرني أو متصل من عموم
مِمَّا
لأنهم كانوا يعبدون اللّه والأصنام ، أو إلا صفة بمعنى غير ، وما نكرة موصوفة ، قاله الزمخشري
فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
أي سيرشدني لدينه ، ويوفقني لطاعته ، ويثبتني على الحق ، وإخباره بأنه سيهديه جزما لثقته باللّه سبحانه ، وقوة يقينه ، والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويف ، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار .