تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
اللّه بإصلاحه من نفسه ، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم اللّه ، وهو غافل عنه . وقال ابن العربي : ليس بواجب ذكره باللسان بل يستحب وإنما الواجب اعتقاده بالقلب والأول أولى والجمع أفضل . ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم فقال :
وَجَعَلُوا لَهُ
أي بعد ذلك الاعتراف كما قاله القاضي أو معه كذا في الكشاف ، والجملة حالية والجعل تصيير قولي أي حكموا وأثبتوا له أو بمعنى سمعوا واعتقدوا
مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
أي ولدا وسماه جزءا دلالة على استحالته على الواحد في ذاته ، لأن المركب لا يكون واحد الذات ، قال قتادة جزءا أي عدلا يعني ما عبد من دون اللّه ، وقال الزجاج والمبرد الجزء هنا البنات ، والجزء عند أهل العربية البنات ، يقال : قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات . وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير ، وصرح بأنه مكذوب على العرب ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها ، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
وقوله :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا
وقوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
وقيل : المراد بالجزء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولادا للّه سبحانه قاله مجاهد والحسن قال الأزهري ، ومعنى الآية أنهم جعلوا للّه من عباده نصيبا على معنى أنهم جعلوا نصيب اللّه من الولدان .
إِنَّ الْإِنْسانَ
القائل ما تقدم
لَكَفُورٌ مُبِينٌ
أي ظاهر الكفران مبالغ فيه قيل المراد بالانسان هنا الكافر فإنه الذي يجحد نعم اللّه عليه جحودا بينا ثم أنكر عليهم هذا فقال :
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ
هذا استفهام تقريع وتوبيخ وأم هي المنقطعة بمعنى همزة الإنكار وقدرها بعضهم ببل التي للانتقال وبعضهم بهما وكل صحيح لأن فيها مذاهب ثلاثة كما نقله أبو حيان والمعنى أتقولون اتخذ ربكم لنفسه البنات .
وَأَصْفاكُمْ
أخلصكم وخصكم
بِالْبَنِينَ
فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ، ولكم الفاضل منهما يقال أصفيته بكذا أي آثرته به وأصفيته الود أخلصته له ، ومثل هذه الآية قوله :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم : 21 ، 22 ] وهذه الجملة معطوفة على اتخذ داخلة معها تحت الإنكار ، ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ
استئناف أو حال
بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا
أي بما جعله للرحمن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بأن قبائحهم اقتضت أن يعرض عنهم ، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها والمثل بمعنى الشبه أي المشابه لا بمعنى الصفة الغريبة العجيبة ، والمعنى إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره ، وهو معنى قوله :