تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
قتادة قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم والمعنى ذلل لنا هذا المركب الذي ركبناه سفينة كان أو دابة قاله الخطيب وصرح غيره بأنه خاص بالدابة ، وأما السفينة فيقول فيها
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] ويؤيده :
وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
فإن الامتناع والتعاصي والتوحش لولا تسخير اللّه وإذلاله إنما يتأتى في الدواب . وأما السفن فهي من عمل ابن آدم فليس لها امتناع بقوتها كامتناع الدابة . قال ابن عباس والكلبي : مقرنين مطيقين يقال أقرن هذا البعير إذا أطاقه . وقال الأخفش وأبو عبيدة : مقرنين ضابطين ، يقال فلان مقرن لفلان أي ضابط له ، وقيل مماثلين له في القوة من قولهم : هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة .

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 14 إلى 20 ]

وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 20 )
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
أي راجعون إليه وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة ، وفيه إشارة إلى الرد عليهم في إنكار البعث أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، « كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثا ، ثم قال :
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا
وما كنا له مقرنين ،
وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
» « 1 » . روي أن قوما ركبوا ، وقالوا سبحان الذي سخر لنا هذا الخ وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالا فقال : إني مقرن لهذه فسقط لوثبتها واندقت عنقه ، وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ ، بل للاعتبار ، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى اللّه غير منفلت من قضائه . قال القرطبي علمنا سبحانه وتعالى ما نقول إذا ركبنا الدواب وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السّلام ما نقول إذا ركبنا السفن فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح عن ظهرها فهلك ، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق فلما كان الركوب مباشرة أمر مخوف واتصالا بسبب من أسباب التلف أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه ، حتى يكون مستعدا لقضاء
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الجهاد باب 72 ، والترمذي في الدعوات باب 46 ، وأحمد في المسند 2 / 144 ، 150 .