تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
أو المراد حواء لكونها خلقت من ضلع آدم ، وقال مجاهد نسلا بعد نسل
وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً
أي خلق لها من جنسها إناثا أو وخلق لكم من الأنعام أصنافا من الذكور والإناث ، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام .
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
أي يبثكم من الذرء وهو البث أو يخلقكم وينشئكم والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب عليه العقلاء ، قال الزمخشري وهي من الأحكام ذات العلتين ، قال الشيخ وهو اصطلاح غريب ، والمعنى أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا ، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل ، أو للمخلوق ، وقيل راجع إلى ما ذكر من التدبير ، وقال الفراء والزجاج وابن كيسان معنى يذرؤكم فيه يكثركم به أي يكثركم بجعلكم أزواجا لأن ذلك سبب النسل ، وقال ابن قتيبة : يذرؤكم فيه أي الزوج وقيل في البطن وقيل في الرحم .
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
خبر سابع والمراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية فإنه إذا نفي عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى ، كقولهم : مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود ، وقيل : إن الكاف زائدة للتوكيد لأنه تعالى لا مثل له ، وهو المشهور عند المعربين ، وقيل : إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره ، كما في قوله :
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ
[ البقرة : 137 ] أي بما آمنتم به ، وهذا ليس بجيد ، بل الأول أولى . فإن الكناية باب مسلوك للعرب ومهيج مألوف لهم قال ابن قتيبة العرب تقيم المثل مقام النفس ، فتقول : مثلي لا يقال له هذا ، أي أنا لا يقال لي ، وقيل : المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل والمثل الصفة كقوله مثل الجنة ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهو محمل سهل . قال الراغب : المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط ، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط ، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط ، ولهذا لما أراد اللّه نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر قال تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
وقال أبو البقاء مرجحا لزيادة الكاف إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال ، إذ يكون المعنى أن له مثلا وليس لمثله مثل ، وفي ذلك تناقض ، لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل ، وهو مع أن إثبات المثل للّه سبحانه محال ، وهذا تقرير حسن ، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرناه من كون الكلام خارجا مخرج الكناية . ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها ، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة ، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمثل ، قد اشتمل
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 187 | صديق الحسيني القنوجي البخاري