والإقرار للّه بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم ، وقال قتادة : يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام .
قال القرطبي : الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج ، وأداء الأمانة وصلة الرحم ، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق ، كيفما تصورت ، والاعتداء على الحيوان كيفما دار ، واقتحام الدناءات ، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع دينا واحدا ، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم ، وذلك قوله تعالى :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
الخ .
ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين نهاهم عن الاختلاف فيه فقال :
وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان باللّه ، وطاعة رسوله ، وقبول شرائعه فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان ، فلا ينبغي الخلاف في مثلها ، وليس هذا من فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الإمارات ، وتتباين فيها الأفهام ، فإنها من مطارح الاجتهاد ، ومواطن الخلاف .
قال القرطبي في الآية أي اجعلوه دائما قائما مستمرا محفوظا مستقرا ، من غير خلاف فيه ولا اضطراب ، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث ،
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
[ الفتح : 10 ] .
واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد اللّه مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم واللّه أعلم .
قال قتادة في الآية : ألا تعلموا أن الفرقة هلكة ، وأن الجماعة ثقة وقال على الجماعة رحمة والفرقة عذاب . ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على المشركين فقال :
كَبُرَ
أي عظم وشق
عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
من التوحيد ورفض الأوثان ، قال قتادة اشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده ، وضاق بها إبليس وجنوده ، فأبى اللّه إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها ، ويظفرها على من ناوأها ، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص المشركين بالذكر كما لا يخفى ثم خص أولياءه فقال :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ
استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة ، والاجتباء الاختيار ، والمعنى يختار لتوحيده والدخول في دينه ، افتعال من الجباية وهي الجمع على طريق الاصطفاء ، واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه
مَنْ يَشاءُ
من عباده ، قال قتادة : يخلص لنفسه من يشاء .