تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الرسل ، وتوافقت عليها الكتب ، وإنما خص نوحا لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع ، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد دينا واحدا ، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير : « ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض » وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول رسول نبىء بغير إشكال إلا أن آدم لم يكن معه إلا نبوة ، ولم تفرض له الفرائض ، ولا شرعت له المحارم ، وإنما كان شرعه تنبيها على بعض الأمور واقتصارا على ضرورات المعاش ، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء واستمر إلى نوح فبعثه اللّه بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، ووظف عليه الواجبات ، وأوضح له الآداب والديانات ، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء عليهم السّلام واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة حتى ختمها بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك والتعبير عنه عند نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالذي هو أصل الموصلات لتفخيم شأنه من تلك الحيثية ، وخص ما شرعه لنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالإيحاء مع كون ما قبله وما بعده مذكورا بالتوصية ، للتصريح برسالته ، القامع لإنكار الكفرة ، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه ، وهو السر في تقدمه على ما بعده مع تقدمه عليه زمانا وتقديم توصية نوح للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم دينا قديما وتوجبه الخطاب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق التلوين للتشريف والتنبيه ، على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسّلام .
وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة ؛ وأولو العزم ، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم ، وتفرد اليهود في موسى ، والنصارى في عيسى ، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد ، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم ، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح ، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل ، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
أي توحيد اللّه ، والإيمان به وطاعة رسله ، وقبول شرائعه والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه ، والتشمير له ، وقال السدي : أي اعملوا به وقيل : المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلما ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة ، قال تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] قال مجاهد : لم يبعث اللّه نبيا إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 189 | صديق الحسيني القنوجي البخاري