على برد اليقين ، وشفاء الصدور ، وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب الحق قدر هذه الحجة النيرة ، والبرهان القوي ، فإنك تحطم بها كثيرا من البدع ، وتهشم بها رؤوسا من الضلالة ، وترغم بها آناف طوائف من القاصرين المتكلفين ، والمتكلمين المتأولين ، ولا سيما إذا ضممت إليه قول اللّه سبحانه
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه :
110 ] فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين :
ودع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديثا ما حديث الرواحل « 1 »
وهو السميع الخ خبر ثامن
وقوله :
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خبر تاسع جمع مقلاد أو مقليد أو قليد ، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس أي مفاتيحهما أو خزائنهما ، والمراد المطر والنبات وغيرهما كالجواهر المستخرجة من الأرض ، قال النحاس : والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر .
ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليدهما ذكر بعده البسط والقبض فقال
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
خبر عاشر أي يوسعه لمن يشاء كالروم والفرس ويضيقه على من يشاء كالعرب
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
من الأشياء
عَلِيمٌ
فلا تخفى عليه خافية ، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية العاصي فهو يجازي كلّا بما يستحقه من خير وشر .
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 13 إلى 15 ]
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 15 )
شَرَعَ لَكُمْ
أي بين وأوضح وسن وأظهر طريقا واضحا ، وهو خبر حادي عشر
مِنَ الدِّينِ
أي دينا تطابقت على صحته الأنبياء ، والخطاب لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
من التوحيد ودين الإسلام ، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 94 ، وخزانة الأدب 10 / 159 ، 11 / 177 ، والدرر 4 / 140 ، وشرح شواهد المغني 1 / 440 ، ولسان العرب ( صيح ) ، ( حجر ) ، ( رسس ) ، ( سقط ) ، ومغني اللبيب 1 / 150 ، والمقاصد النحوية 3 / 307 ، وهمع الهوامع 2 / 29 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 244 ، والمقرب 1 / 195 .