وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
قيل : هذا من تمام كلام الجلود ، وقيل إنه من كلام الملائكة ، وقيل : مستأنف من كلام اللّه ، والمعنى أن من قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه ، ولعل صيغة المضارع مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجوع لما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث بل ما يعمه ويعم ما يترتب عليه من العذاب الخالد المترقب عند المخاطبة ، فغلب المتوقع على الواقع .
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ
هذا تقريع لهم ، وتوبيخ من جهة اللّه سبحانه أو من كلام الجلود ، أي ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة وارتكاب الفواحش بالحيطان والحجب ، حذرا من شهادة الجوارح عليكم ، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا وهو قول أكثر العلماء . ولما كان الانسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية ، وقيل : معنى الاستتار الاتقاء أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة ، فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة ، ومعنى أن تشهد لأجل أن تشهد ، أو مخافة أن تشهد ، وقيل إن الاستتار مضمن معنى الظن ، أي وما كنتم تظنون أن تشهد وهو بعيد .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تحشرون ههنا وأومأ بيده إلى الشام مشاة وركبانا وعلى وجوهكم ، وتعرضون على اللّه وعلى أفواهكم الفدام وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه وتلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ
« 1 » الخ .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : « كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان أو ثقفي وقرشيان ، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم ، فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم : أترون أن اللّه يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخر : إن لنا آنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه ، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه ، فقال الآخر إنه إن سمع منه شيئا سمعه كله ، قال : فذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ
إلى قوله :
مِنَ الْخاسِرِينَ
« 2 » .
وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ
عند استتاركم من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم
أَنْ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 447 ، 5 / 3 .
( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 41 ، باب 2 ، ومسلم في المنافقين حديث 5 ، والترمذي في تفسير سورة 41 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 1 / 381 ، 408 ، 426 ، 442 ، 443 .