تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
أي اختاروا الكفر على الإيمان قال أبو العالية اختاروا العمى على البيان ، وقال السدي اختاروا المعصية على الطاعة
فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ
قد تقدم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأي شيء كان ، والهون الهوان والإهانة ، فكأنه قال أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو الإهانة ، ويقال عذاب هون أي مهين كقوله :
ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
[ سبأ : 14 ]
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
الباء للسببية أي بسبب الذي كانوا يكسبونه ، أو بسبب كسبهم وهو شركهم وتكذيبهم صالحا .
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
وهم صالح ومن معه من المؤمنين فإن اللّه نجاهم من ذلك العذاب وكانوا أربعة آلاف . ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر ما عاقبهم به في الآخرة فقال :
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ
وصفهم بكونهم أعداء اللّه مبالغة في ذمهم ، وقيل المراد بهم الكفار مطلقا الأولين والآخرين ، أي اذكر لقريش المعاندين لك حال الكفار يوم القيامة ، لعلهم يرتدعوا وينزجروا ، ومعنى حشرهم إلى النار سوقهم إليها أو إلى موقف الحساب ، لأنه يتبين عنده فريق الجنة وفريق النار ، قرأ الجمهور يحشر بالتحتية مضمومة ورفع أعداء على النيابة ، وقرأ نافع بالنون ونصب أعداء .
فَهُمْ يُوزَعُونَ
أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا ، كذا قال قتادة والسدي وغيرهما ، وبه قال ابن عباس أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم ، وهي عبارة عن كثرة أهل النار ، وأصله من وزعته أي كففته ، وقد سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى ، وعن ابن عباس قال : يدفعون ، وقيل يساقون .
حَتَّى إِذا ما جاؤُها
أي النار التي حشروا إليها وصاروا بحضرتها أو موقف الحساب و
ما
مزيدة للتوكيد
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
في الدنيا من المعاصي ، وفي كيفية هذه الشهادة ثلاثة أقوال ، أولها أن اللّه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه ، ثانيها أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني ، ثالثها أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى شهادات ، كما يقال : العالم يشهد بتغيرات أحواله على حدوثه . وقال الكرخي : ينطقها اللّه تعالى كإنطاق اللسان فتشهد . وليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلا ، وإيضاحه أن البنية ليست شرطا للحياة والعلم والقدرة فاللّه تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء . قال مقاتل تنطق جوارحهم بما كتمت ألسنتهم من عملهم بالشرك . والمراد بالجلود هي جلودهم المعروفة في قول أكثر المفسرين . وقيل : المراد بها الجوارح
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 158 | صديق الحسيني القنوجي البخاري