مطلقا ، فالعطف من قبيل عطف العام على الخاص . وقال السدي وعبيد اللّه بن جعفر والفراء : أراد بالجلود الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى :
لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا
[ البقرة : 235 ] أراد النكاح ، وقال تعالى :
أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ
[ النساء : 43 ] والمراد قضاء الحاجة ، وفي الحديث : « أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه » « 1 » ، وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيدا شديدا في إتيان الزنا لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ والأول أولى .
ووجه تخصيص الثلاثة بالشهادة دون غيرها مع أن الحواس خمسة ، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وآلة اللمس هي الجلد ، ما ذكره الرازي أن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه ، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام ، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في حس اللمس انتهى .
وإذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال كما قال :
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 21 إلى 23 ]
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 )
وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ
لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر ، وأما على قول من قال بالفروج فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر ، لأن ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحا وأجلب للخزي والعقوبة ، قيل : والمراد بالجلود هنا المعنى الأعم ، فليس في سؤالهم ترك سؤال السمع والبصر ، بل هما داخلان في الجلود بالمعنى الذي علمته
لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا
سؤال توبيخ وتعجب من هذا الأمر الغريب لكونها ليست مما ينطق ولكونها كانت في الدنيا مساعدة لهم على المعاصي فكيف تشهد الآن عليهم فلذلك استغربوا شهادتها وخاطبوها بصيغة خطاب العقلاء ، لصدور ما يصدر من العقلاء عنها وهو الشهادة .
قالُوا
مجيبين لهم معتذرين :
أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
مما ينطق من مخلوقاته ، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح ، وقيل المعنى ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا اللّه والأول أولى ، والمعنى أن نطقنا ليس بعجيب من قدرة اللّه الذي قدر على إنطاق كل حيوان .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 3 .