فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ
أي خوفتكم ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر به
صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
أي عذابا مثل عذابهم ، والمراد بالصاعقة العذاب المهلك من كل شيء ، قال المبرد : الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان ، والصاعقة في الأصل هي الصيحة التي يحصل بها الهلاك أو قطعة نار تنزل من السماء معها رعد شديد ، والمراد بها هنا مطلق العذاب . لكن بالنظر إلى الصاعقة الأولى ، وأما الثانية فالمراد بها حقيقتها ، قرأ الجمهور صاعقة بالألف في الموضعين ، وقرىء صعقة فيهما ، وقد تقدم بيان معنى الصاعقة والصعقة في البقرة .
إِذْ جاءَتْهُمُ
أي إلى عاد وثمود ، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشا كانوا يمرون على بلادهم
الرُّسُلُ
أي هود وصالح ومن قبلهما وكان هود وصالح بين نوح وإبراهيم ، وليس بينهما غيرهما من الرسل ، وأن الذين تقدموا عليهما من الرسل أربعة : نوح وإدريس وشيث وآدم .
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ
أي أتوهم من كل جانب ، وعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا منهم إلا الإعراض ، وعن الحسن أنذروهم من وقائع اللّه فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة والظرف متعلق بأنذرتكم أو بالصاعقة لأنها بمعنى العذاب أو حال من صاعقة عاد ، وهذا أولى من الوجهين الأولين لأن الإنذار لم يقع وقت مجيء الرسل فلا يصح أن يكون ظرفا له ، وكذلك الصاعقة لا يصح أن يكون الوقت ظرفا لها ، ومن في الموضعين متعلقة بجاءتهم أي من جميع جوانبهم أو من جهة الزمان الماضي بالانذار عما جرى على الكفار أو من جهة المستقبل بالتحذير عما سيحيق بهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .
وقيل : المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم ، فكأن الرسل قد جاؤوهم وخاطبوهم بقولهم :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
أي بأن لا تعبدوا على أنها مصدرية أو تفسيرية أو مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، ثم ذكر سبحانه ما أجابوا به الرسل فقال :
قالُوا
أي عاد وثمود مخاطبين لهود وصالح :
لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ
أي لأرسل إلينا
مَلائِكَةً
ولم يرسل إلينا بشرا من جنسنا ، ثم صرحوا بالكفر ولم يتلعثموا فقالوا :
فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
أي كافرون بما تزعمونه من أن اللّه أرسلكم إلينا لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا ، فكيف اختصكم برسالته دوننا .
وقد تقدم دفع هذه الشبهة الدحضة التي جاؤوا بها في غير موضع ، وفيه تغليب المخاطب على الغائب ، فغلبوا هودا وصالحا على من قبلهما من الرسل ، فكأنهم قالوا : فإنا كافرون بكما وبمن دعوتمونا إلى الإيمان به ممن قبلكما من الرسل .