تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد دحوها فالاشكال باق ، وعلى هذا لا يتفصى عن الاشكال إلا بما ذكر في ثم ؛ أو أن بعد بمعنى قبل أو بمعنى مع .
وَهِيَ دُخانٌ
هو ما ارتفع من لهب النار ويستعار لما يرى من بخار الأرض ، قال المفسرون هذا الدخان هو بخار الماء ، وقياس جمعه في القلة أدخنة ، وفي الكثرة دخيان ، وهي من باب التشبيه الصوري لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين ، وخص سبحانه الاستواء إلى السماء مع كون الخطاب المترتب على ذلك متوجها إليها وإلى الأرض ، كما يفيده قوله :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
استغناء بما تقدم من ذكر تقديرها وتقدير ما فيها ، ومعنى ائتيا افعلا ما آمركما به ، وجيئا به ، كما يقال : ائت ما هو الأحسن أي افعله ، وقيل : المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ، ائتي يا أرض مدحورة قرارا ومهادا لأهلك ، وائتي يا سماء مقببة سقفا لهم . قال الواحدي : قال المفسرون : إن اللّه سبحانه قال : أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وأما أنت يا أرض فشققي أنهارك وأخرجي ثمارك ونبأتك ، قاله ابن عباس ، قرأ الجمهور ائتيا أمرا من الاتيان وقرىء آتيا قالتا آتينا ، بالمد فيهما ، وهو من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كل منكما الأخرى لما يليق بها ، وإليه ذهب الرازي والزمخشري ، أو من الإيتاء وهو الإعطاء قاله ابن عباس : فوزنه على الأول فاعلا كقاتلا ، وعلى الثاني أفعلا كأكرما ، وطوعا وكرها مصدران في موضع الحال ، أي طائعتين أو مكرهتين ، وقرىء كرها بالضم . قال الزجاج : أطيعا طاعة أو تكرهان كرها ، قيل : ومعنى هذا الأمر لهما التسخير والحصول والوقوع أي كونا فكانتا ، كما قال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ النحل : 40 ] فالكلام من باب التمثيل لتأثير قدرته واستحالة امتناعهما أو من باب الاستعارة التخييلية .
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
أي أتينا أمرك منقادين وجمعهما جمع من يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء ، وجمع الأمر لهما في الاخبار عنه لا يدل على جمعه في الزمان ، بل قد يكون القول لهما متعاقبا ، قال القرطبي : قال أكثر أهل العلم إن اللّه سبحانه خلق فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد سبحانه ، وقيل هو تمثيل لظهور الطاعة منهما وتأثير القدرة الربانية فيهما ، والأول أولى ، قال أبو نصر السكسي فنطق من الأرض موضع الكعبة ، ونطق من السماء بحيالها ، فوضع اللّه فيه حرمة .

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 12 إلى 14 ]

فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 )
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 153 | صديق الحسيني القنوجي البخاري