تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق فيما بين العصر إلى الليل » « 1 » . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أيضا قال : « إن اللّه خلق يوما فسماه الأحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ثم خلق خامسا فسماه الخميس ، وذكر نحو ما تقدم » . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « إن اللّه فرغ من خلقه في ستة أيام » وذكر نحو ما تقدم . وانتصاب
سَواءً
على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام ، أي استوت الأربعة سواء ، بمعنى استواء ، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من الأرض أو من الضمائر الراجعة إليها قرأ الجمهور بنصب
سَواءً
، وقرأ زيد بن علي والحسن وغيرهما بخفضه على أنه صفة للأيام وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، قال الحسن : المعنى في أربعة أيام مستوية تامة لا تزيد ولا تنقص ، وقوله :
لِلسَّائِلِينَ
متعلق بسواء أي مستويان للسائلين أو بمحذوف كأنه قيل هذا الحصر للسائلين في كم يوم خلقت الأرض وما فيها ؟ أو متعلق بقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها قال الفراء : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام ، واختار هذا ابن جرير . ثم لما ذكر سبحانه خلق الأرض وما فيها ذكر كيفية خلقه للسموات فقال
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي عمد وقصد نحوها قصدا سويا ، وتعلقت إرادته بخلقها ، قال الرازي : هو من قولهم ، استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلتفت معه إلى عمل آخر ، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج ، ونظيره قولهم : استقام إليه ، ومنه قوله تعالى :
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ
[ فصلت : 6 ] والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماوات بعد خلق الأرض وما فيها قال الحسن : المعنى صعد أمره إلى السماء ، ويفهم من هذه الآية أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض وبه قال ابن عباس ، وقوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء . والجواب أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط ، بل هو عبارة عن التقدير أيضا ، فالمعنى قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء وعلى هذا يزول الاشكال ، وقال الشوكاني بعد ذكر هذا الاستشكال . إن ثم ليست للتراخي الزماني فالجمع ممكن بأن الأرض خلقها متقدم على خلق السماء ، ودحوها بمعنى بسطها هو أمر زائد على مجرد خلقها ، فهي متقدمة خلقا متأخرة دحوا ، وهذا ظاهر انتهى . ولعله يأتي عند تفسيرنا لقوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] زيادة ايضاح للمقام إن شاء اللّه تعالى ، وقد تقدم هذا الجمع في سورة البقرة ولكن
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في المنافقين حديث 27 ، وأحمد في المسند 2 / 327 .