تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب ، ونوه به غاية التنويه ، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ألا ترى إلى قول أبي بن كعب ؟ حين قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه أمرني أن اقرأ عليك سورة كذا فبكى » وقال : أذكرت هنالك ، وكان بكاؤه من الفرح - حيث إن اللّه تعالى ذكره فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبلى ؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرأوا القرآن ، وأهل الجنة كذلك أبدا لا يزال على ألسنة المؤمنين ، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين ، إذ القرآن كلام اللّه القديم ، وهو باق لا يبيد . فاسم زيد في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة يذكره في تلاوتهم السفرة الكرام البررة ، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء ولزيد بن حارثة تعويضا من اللّه له مما نزع منه ، وزاد في الآية أن قال :
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
أي بالإيمان فدل على أنه من أهل الجنة علم ذلك قبل أن يموت وهذه فضيلة أخرى رضي اللّه تعالى عنه انتهى .
زَوَّجْناكَها
وقرىء زوجتكها ، يعني ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفا لك ولها ، فلما أعلمه اللّه بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقدير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته ، وهذا من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين ، وكان تزوجه بزينب سنة خمس من الهجرة . وقيل سنة ثلاث وهي أول من مات بعده من زوجاته الشريفات المطهرات ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة ، وقيل المراد به الأمر له بأن يتزوجها والأول أولى وبه جاءت الأخبار الصحيحة . وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال : « جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : اتق اللّه وأمسك عليك زوجك ، فنزلت : وتخفي في نفسك ما للّه مبديه فتزوجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها ؛ ذبح شاة وأطعم الناس خبزا ولحما حتى تركوه ، فكانت تفتخر على أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم تقول زوجكن أهاليكن وزوجني اللّه من فوق سبع سماوات ، وكانت تقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جدي وجدك واحد ، وليس من نسائك من هي كذلك غيري ، وقد أنكحنيك اللّه والسفير في ذلك جبريل » « 1 » قاله الخازن . وقال عمر وابن مسعود ما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية . وقال أنس : فلو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية ، وكذا روي عن عائشة .
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ
أي ضيق ومشقة ؛ علة للتزويج ، وهو دليل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 68 ، 69 ، ومسلم في النكاح حديث 90 ، 91 ، وأبو داود في الأطعمة باب 2 ، وابن ماجة في النكاح باب 24 ، وأحمد في المسند 3 / 172 ، 227 .