تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وأصح ما في هذا الباب ما قاله علي بن الحسين : إن اللّه قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه ، وإن زيدا سيطلقها ؛ فلما جاء زيد وقال : إني أريد أن أطلقها ، قال له : أمسك عليك زوجك ، فعاتبه اللّه تعالى ، وقال : لم قلت أمسك عليك زوجك ؟ وقد أعلمتك أنها ستكون زوجتك . قال الخطيب : وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة ، لأن اللّه تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ، ولم يظهر غير تزويجها منه ، فقال تعالى :
زَوَّجْناكَها
. فلو كان الذي أضمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يخبر اللّه أنه يظهره ، ثم يكتمه فلا يظهره ، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه اللّه من أنها ستكون زوجته ، وإنما ذلك استحياء أن يخبر زيدا أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي . قال الكرخي : وهذا القول هو المنصور المعول عليه عند الجمهور . وقال البغوي : وهذا هو الأولى ، وإن كان الآخر - وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها - لا يقدح في حال الأنبياء ، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ، ما لم يقصد فيه المأثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر انتهى . ولهذا قال ابن عباس : كان في قلبه حبها . وقال قتادة : ود أنه لو طلقها زيد . قال الخازن : وهذا قول حسن مرضي ، وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع ، وحلال مطلق ، لا مقال فيه ولا عيب عند اللّه ، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلّما إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ، وهو إنما جعل طلاق زيد لها وتزويج النبي صلّى اللّه عليه وسلم إياها ؛ لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال تعالى :
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ
[ الأحزاب : 37 ] .
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً
قضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء يقال قضى وطرا منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه ، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة ، وتقاصرت عنه همته وطابت عنها نفسه . وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة . وقال المبرد : الوطر الشهوة والمحبة . وقال أبو عبيدة الوطر الأرب والحاجة . قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي : كان يقال زيد بن محمد حتى نزل
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
فقال : أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أنا زيد بن محمد : فلما نزع هذا الشرف وهذا الفخر منه ، وعلم اللّه وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يختص بها أحد من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو أنه سمّاه في القرآن أي في هذه الآية ، فذكره اللّه تعالى باسمه في الذكر الحكيم ، حتى