أحواله ، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر اللّه سبحانه بالقلب واللسان والخبر لجميع ما تقدم هو قوله :
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً
لذنوبهم التي أذنبوها
وَأَجْراً عَظِيماً
على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر ، ووصف الأجر بالعظيم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا .
وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول اللّه فما لنا لا نذكر في القرآن كما تذكر الرجال فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول : « إن اللّه يقول
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
» الآية « 1 » وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالت ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية « 2 » ، وعن ابن عباس قال : قالت النساء يا رسول اللّه ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات فنزلت هذه الآية أخرجه الطبراني وابن جرير وابن مردويه بإسناد ، قال السيوطي : حسن .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 36 ]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( 36 )
وَما كانَ
أي ما صح وما استقام
لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
قال القرطبي : لفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها الحظر والمنع من الشيء والإخبار بأنه لا يحل شرعا أن يكون ، وقد يكون لما يمتنع عقلا كقوله :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
[ النمل : 60 ] ، ومعنى الآية : إنه لا يحل لمن يؤمن باللّه - إذا قضى اللّه أمرا - أن يختار من أمر نفسه ما شاء ، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه تحت ما قضاه اللّه عليه ، واختاره له ، ويجعل رأيه تبعا لرأيه . وجمع الضمير في قوله لهم ومن أمرهم ؛ لأن مؤمنا ومؤمنة وقعا في سياق النفي ، فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة ، قرىء أن يكون بالتحتية ؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله : لهم مع كون التأنيث غير حقيقي ، وقرىء بالفوقية لكونه مسندا إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظا والخيرة مصدر بمعنى الاختيار ، ودل ذلك على أن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 33 ، باب 14 ، وأحمد في المسند 6 / 301 ، 305 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 33 ، باب 14 .