لجمع بين ضميري اللّه ورسوله في لفظ واحد وقال صدقا ، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث « بئس خطيب القوم أنت » « 1 » ، لمن قال ومن يعصهما فقد غوى ، وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما » ، فالجواب أنه صلّى اللّه عليه وسلم أعرف بقدر اللّه منا فليس لنا أن نقول كما يقول ، قاله السمين .
وَما زادَهُمْ
ما رأوه من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم
إِلَّا إِيماناً
باللّه
وَتَسْلِيماً
لأمره ، قال الفراء : ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا ذلك قال علي بن سليمان رأي يدل على الرؤية ، وتأنيث الرؤية غير حقيقي ؛ والمعنى ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب ؛ وتسليما للقضاء ، ولو قال ما زادتهم لجاز ، وعن ابن عباس قال :
في الآية إن اللّه قال لهم في سورة البقرة
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ
[ البقرة : 214 ] ، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالوا هذا ما وعدنا اللّه ورسوله فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيمانا وتسليما .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 23 إلى 25 ]
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ( 23 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 24 ) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 )
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
المخلصين
رِجالٌ صَدَقُوا
أي أتوا بالصدق من صدقني إذا قال الصدق
ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
أي وفّوا بما عاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات معه والمقاتلة لمن قاتله ، بخلاف من كذب في عهده وخان اللّه ورسوله ، وهم المنافقون ، وقيل هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ثبتوا له ولم يفروا .
أخرج البخاري وغيره عن أنس قال : « نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر » « 2 » ، وأخرج ابن سعد ، وأحمد ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال : « غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غبت عنه ؟ لئن أراني اللّه مشهدا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليرين اللّه ما أصنع ، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ قال يا أبا عمرو أين ؟ قال واها لريح الجنة أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين طعنة وضربة
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الجمعة حديث 48 ، وأحمد في المسند 4 / 256 ، 379 .
( 2 ) أخرجه البخاري في المغازي 26 ، وتفسير سورة 33 ، باب 3 .