تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
بالضم والكسر والجمع أسى وإسى ، وقد قرىء بهما وهما سبعيتان وهما أيضا لغتان كما قال الفراء وغيره . وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أي لقد كان لكم في رسول اللّه حيث بذل نفسه للقتال ، وخرج إلى الخندق لنصرة دين اللّه أسوة ، والمعنى اقتدوا به اقتداء حسنا ، وهو أن تنصروا دين اللّه وتوازروا رسوله ، ولا تتخلفوا عنه ، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته ، وجرح وشج وجهه ، وجاع بطنه ، وقتل عمه حمزة ، وأوذي بضروب الأذى فصبر ، وواساكم مع ذلك بنفسه ، فافعلوا أنتم كذلك أيضا ، واستنوا بسنته ، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فهي عامة في كل شيء ؛ ومثلها :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
[ الحشر : 7 ] وقوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] . عن ابن عمر قال في الآية : هذا في جوع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد استدل بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة ، وهي خارجة عما نحن بصدده ، نعم فيه دلالة على لزوم الاتباع ، وترك التقليد الحادث الذي أصيب به الإسلام ، أي مصيبة وهل هذه الأسوة على الإيجاب أو على الاستحباب ، فيه قولان ، قال القرطبي يحتمل أن تحمل على الإيجاب في أمور الدين ، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا .
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ
أي حسنة كائنة لمن يرجو اللّه والمراد أنهم الذين يرجون اللّه ويخافون عذابه ، يعني يرجون ثوابه ولقاءه
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
أي أنهم يرجون رحمة اللّه فيه أو يصدقون بحصوله ، وأنه كائن لا محالة وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى .
وَذَكَرَ اللَّهَ
أي ولمن ذكر اللّه في جميع أحواله ذكرا
كَثِيراً
وجمع بين الرجاء للّه والذكر له فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم بين سبحانه ما وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال :
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
الإشارة بهذا إلى ما رأوه من الجيوش أو إلى الخطب الذي نزل ، والبلاء الذي دهم ، وهذا القول منهم قالوه استبشارا بحصول ما وعدهم اللّه ورسوله من مجيء هذه الجنود وأن يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند اللّه ، و
لَمَّا
في
ما وَعَدَنَا
هي الموصولة أو المصدرية ، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم :
وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أي ظهر صدق خبرهما ووجه إظهار الاسم الشريف والرسول بعد قوله :
ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
، هو قصد التعظيم ، وأيضا لو أضمرهما