تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ما دعاهم إليه من أمور الدين والدنيا ، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم ، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم ، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم ، وإن كانوا محتاجين إليها ، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم ، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم . بالجملة فإذا دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه ، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم . وقيل : المراد بأنفسهم في الآية بعضهم فيكون المعنى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض ، وقيل هي خاصة بالقضاء أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى بينهم ، وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه . وقيل : أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم كقوله :
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] . وفي قراءة ابن مسعود : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أبوهم في الدين ، والأول أولى . وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه » « 1 » . وقد ثبت في الصحيح أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين » « 2 » . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال : غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذكرت عليا فنقصته فرأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تغير وقال : « يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه » « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 1 ، والاستقراض باب 11 ، ومسلم في الفرائض حديث 15 ، وأبو داود في الإمارة باب 15 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 ، والصدقات باب 13 ، والدارمي في البيوع باب 54 ، وأحمد في المسند 3 / 311 ، 338 ، 371 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 8 ، والأيمان باب 3 ، ومسلم في الإيمان ، حديث 69 ، 70 ، والنسائي في الإيمان باب 19 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، وأحمد في المسند 3 / 177 ، 207 ، 275 ، 278 ، 4 / 336 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في المناقب باب 19 ، وابن ماجة في المقدمة باب 11 ، وأحمد في المسند 1 / 84 ، 118 ، 119 ، 152 ، 331 ، 4 / 281 ، 368 ، 370 ، 372 ، 5 / 347 ، 366 ، 419 .