تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم أصحاب الشرائع المشهورة ، والكتب المذكورة ، ومن أولي العزم من الرسل وتقديم ذكر نبينا صلّى اللّه عليه وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا يخفى ، وتقديم نوح في آية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، لأنها سيقت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم ، وما بعث به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم من العهد الحديث وما بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير ، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبة للمقصود من بيان أصالة الدين وقدمه ، قاله الكرخي . ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ فقال :
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا أو ما أخذه اللّه عليهم من عبادته والدعاء إليها ، ويجوز أن يكون قد أخذ اللّه عليهم الميثاق مرتين : فأخذه عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد ، ثم أخذه عليهم ثانية مغلظا شديدا ، ومثل هذه الآية قوله :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
[ آل عمران : 81 ] . أخرج الطبراني ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني أن إعرابيا قال : يا رسول اللّه أي شيء كان أول نبوتك قال : « أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم » ، ثم تلا هذه الآية إلى قوله :
مِيثاقاً غَلِيظاً
، ودعوة إبراهيم قال : وابعث فيهم رسولا منهم ، وبشرى عيسى ابن مريم ، ورأت أم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام » . وعن ابن عباس قال : قيل يا رسول اللّه متى أخذ ميثاقك ؟ قال : « وآدم بين الروح والجسد » ، وعنه قال : قيل يا رسول اللّه متى كنت نبيا ؟ قال : « وآدم بين الروح والجسد » ، أخرجه البزار والطبراني ، وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها . وعن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال في الآية : « كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ، فبدأ بي قبلهم » . أخرجه ابن عساكر ، وابن مردويه ، وأبو نعيم . وعن ابن عباس قال ميثاقهم عهدهم ، وعنه قال إنما أخذ اللّه ميثاق النبيين على قومهم .
لِيَسْئَلَ
أي لكي يسأل
الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
في تبليغ الرسالة إلى قومهم تبكيتا للكافرين بهم ، وفي هذا وعيد لغيرهم لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم ؟ وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما في قوله
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[ الأعراف : 6 ] . وقوله
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ
[ المائدة : 109 ] . وقيل فعل ذلك ليسأل . وقيل : عن صدقهم عن عملهم للّه عزّ وجلّ . وقيل : ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم والكافرين عن تكذيبهم ، فاستغنى عن الثاني بذكر مسببه وهو قوله :
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 342 | صديق الحسيني القنوجي البخاري