ندعوه إلا زيد بن محمد ، حتى نزل القرآن :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ
، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنت زيد بن حارثة بن شراحيل » « 1 » .
هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء ، والضمير راجع إلى مصدر : ادعوهم ومعنى أقسط : أعدل ، أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم ، كقوله : اللّه أكبر ، أو أعدل من قولكم : هو ابن فلان ، ولم يكن ابنه لصلبه ، وأقسط أفعل تفضيل ، قصد به الزيادة مطلقا ، من القسط بمعنى العدل ، وانظر إلى فصاحة هذا الكلام ، حيث وصل الجمل الطلبية . ثم فصل الخبرية عنها ، ووصل بينها ؛ ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها ، ثم فصل بالطلبية ثم تمم الإرشاد للعباد فقال :
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ
تنسبونهم إليهم
فَإِخْوانُكُمْ
أي فهم إخوانكم
فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ
فقولوا : أخي ومولاي ، ولا تقولوا : ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة ، قال الزجاج : مواليكم ، أي أولياؤكم في الدين .
وقيل المعنى : فإن كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا فقولوا : موالي فلان
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ
أي إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد قبل النهي ، فنسبتموه إلى غير أبيه
وَلكِنْ
الإثم .
ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
وهو ما قلتموه على طريقة العمد ، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك ، قال قتادة : لو دعوت رجلا بغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه ، لم يكن عليك بأس بخلاف الحال في زيد فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد ، فإن قاله أحد متعمدا عصى بقوله هذا ، عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من ادعى إلى غير أبيه ، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام » « 2 » أخرجه البخاري ومسلم .
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
يغفر للمخطىء ويرحمه ، ويتجاوز عنه . أو غفورا للذنوب ، رحيما بالعباد ، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلا لغير أبيه خطأ ، أو قبل النهي عن ذلك ، أو على سبق اللسان ؛
ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة ، وخصوصية جليلة ؛ لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي هو أحق بهم ، وأرأف ، وأشفق في كل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 2 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 62 .
( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 5 ، والفرائض باب 29 ، ومسلم في الإيمان حديث 112 ، 114 ، 115 ، والعتق حديث 21 ، والترمذي في الوصايا باب 5 ، والولاء باب 3 ، وابن ماجة في الحدود باب 36 ، والوصايا 6 ، والدارمي في السير باب 82 ، والفرائض باب 2 ، وأحمد في المسند 2 / 118 ، 5 / 38 ، 46 .