تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ
أي جعله حيا حساسا بعد أن كان جمادا ، وبالإضافة للتشريف والتكريم ، وهذه الإضافة تقوي أن الكلام في آدم لا في ذريته ، وإن أمكن توجيهه بالنسبة إلى الجميع ، وقيل للتخصيص ، أي نفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به وبعلمه ، والأول أولى ثم خاطب جميع النوع فقال :
وَجَعَلَ لَكُمُ
وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب ، ولم يخاطبهم قبل ذلك لأن الخطاب إنما يكون مع الحي فلما قال ونفخ فيه من روحه خاطبه بعد ذلك وقال : وجعل لكم :
السَّمْعَ
أي الأسماع
وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
أي القلوب تكميلا لنعمته عليكم ، وتتميما لتسويته لخلقكم ، حتى تجتمع لكم هذه النعم ، فتسمعون كل مسموع ، وتبصرون كل مبصر ، وتعقلون كل متعقل ، وتفهمون كل ما يفهم ، وأفرد السمع لكونه مصدرا يشمل القليل والكثير ، وخص السمع بذكر المصدر دون البصر والفؤاد ، فذكرهما بالاسم ، ولهذا جمعا لأن السمع قوة واحدة . ولها محل واحد ، وهو الأذن ، ولا اختيار لها فيه ، فإن الصوت يصل إليها ولا يقدر على رده ، ولا على تخصيص السمع ببعض المسموعات دون بعض ؛ بخلاف الأبصار فمحلها العين ، وله فيه اختيار ، فإنها تتحرك إلى جانب المرئي دون غيره ، وتطبق أجفانها إذا لم ترد الرؤية لشيء ، وكذلك الفؤاد له نوع اختيار في إدراكه فيتعقل هذا دون هذا ، ويفهم هذا دون هذا .
قَلِيلًا ما
أي شكرا قليلا ، أو زمانا قليلا
تَشْكُرُونَ
وفي هذا بيان لكفرهم لنعم اللّه ، وتركهم لشكرها إلا فيما ندر من الأحوال .

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 10 إلى 12 ]

وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 )
وَقالُوا
كلام مستأنف مسوق لبيان أباطيلهم ، بطريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة ، إيذانا بأن ما ذكر من عدم شكرهم لتلك النعم موجب للإعراض عنهم ، وتعديد جناياتهم :
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
الضلال الغيبوية يقال ضل الميت في التراب إذا غاب وبطل ، والعرب تقول للشيء إذا غلب عليه غيره ، حتى خفي أثره : قد ضل . قال قطرب : المعنى غبنا في الأرض ، قرىء ضللنا بفتح ضاد معجمة ، ولام مفتوحة ، بمعنى : ذهبنا ، وضعنا ، وصرنا ترابا ، وغبنا عن الأعين بالدفن فيها . وقرىء : ضللنا بكسر اللام ، وهي لغة العالية من نجد . قال الجوهري : وأهل العالية يقولون : ضللت بالكسر ، قال وأضله أي أضاعه ، وأهلكه ، يقال ضل الميت إذا دفن .