تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وحق على عباده ، ونفذ فيه قضاؤه ، فكان مقتضى هذا القول أنه لا يعطى كل نفس هداها ، وإنما قضى عليهم بهذا لأنه سبحانه قد علم أنهم من أهل الشقاوة ، وأنهم ممن يختار الضلالة على الهدى ، وقدم الجن لأن المقام مقام تحقير ، ولأن الجهنميين منهم أكثر فيما قيل ، ولا يلزم من قوله : أجمعين دخول جميع الإنس والجن فيها ، لأنها تفيد عموم الأنواع لا الأفراد ، قاله بعض المحققين ، ورد بأنه لو قصد ما ذكر كان المناسب التثنية دون الجمع بأن يقول : كليهما ، فالظاهر أنها لعموم الأفراد ، والتعريف فيهما للعهد ، والمراد عصاتهما ، ويؤيده قوله في آية أخرى خطابا لإبليس :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] ، قاله الشهاب . وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم .
فَذُوقُوا
أي : العذاب ، والفاء لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله ، أي فإذا دخلوا النار ، قالت لهم الخزنة : ذوقوا ؛ قاله مقاتل واستعار الذوق للإحساس ، وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس ، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به كإحساس الذائقة بذوق المطعوم .
بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ
الباء للسببية ، وفيه إشعار بأن تعذيبهم ليس لمجرد سبق القول المتقدم ، بل بذاك واختلف في النسيان المذكور ههنا ، فقيل : هو النسيان الحقيقي ، وهو الذي يزول عنده الذكر . وقيل هو الترك ، قاله الضحاك ، ويحيى بن سلام . والمعنى على الأول أنهم لم يعملوا لذلك اليوم فكانوا كالناسين له ، وعلى الثاني لا بد من تقدير مضاف قبل اللقاء أي : فذوقوا بسبب ترككم لما أمرتكم به عذاب لقاء يومكم هذا ، ورجح الثاني المبرد ، قال الرازي في تفسيره : إن اسم الإشارة في قوله :
هذا
يحتمل ثلاثة أوجه : أن يكون إشارة إلى اللقاء ، وأن يكون إلى اليوم ، وأن يكون إلى العذاب .
إِنَّا نَسِيناكُمْ
أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعل الناس قطعا لرجائكم قال يحيى : المعنى نسيناكم بما تركتم الإيمان بالبعث في هذا اليوم ، تركناكم من الخير ، وكذا قال السدي ، وقال مجاهد : تركناكم في العذاب .
وَذُوقُوا
تكرير هذا للتأكيد والتشديد ، ولتبيين المفعول المطوي للذوق وللإشعار بأن سببه ليس مجرد النسيان ، بل له أسباب أخر من فنون الكفر والمعاصي ، التي كانوا مستمرين عليها في الدنيا
عَذابَ الْخُلْدِ
أي الدائم الذي لا انقطاع له
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الدنيا من الكفر والمعاصي ، والتكذيب .
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا
مستأنفة لبيان من يستحق الهداية إلى الإيمان ومن لا
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 323 | صديق الحسيني القنوجي البخاري