الثالث : أن يكون
كُلَّ شَيْءٍ
هو المفعول الأول ، وخلقه هو المفعول الثاني ، على تضمين أحسن معنى أعطى ، والمعنى : أعطى كل شيء خلقه الذي خصه به ، وقيل : على تضمينه معنى ألهم . قال الفراء : ألهم خلقه كل شيء يحتاجون إليه .
الرابع : أنه منصوب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي خلقه خلقا كقوله : صنع اللّه ، وهذا قول سيبويه ، والضمير يعود إلى اللّه سبحانه .
والخامس : أنه منصوب بنزع الخافض ، والمعنى : أحسن كل شيء في خلقه ، ومعنى الآية أنه أتقن وأحكم خلق مخلوقاته ، فبعض المخلوقات - وإن لم تكن حسنة في نفسها - فهي متقنة محكمة ، فيكون هذه الآية معناها معنى أعطى كل شيء خلقه أي : لم يخلق الإنسان على خلق البهيمة ولا خلق البهيمة على خلق الإنسان . وقيل هو عموم في اللفظ خصوص في المعنى ، أي أحسن خلق كل شيء حسن . وقال ابن عباس : أما رأيت القردة ليست بحسنة ، ولكنه أحكم خلقها . وعنه في الآية قال : أما آنست القردة ليست بحسنة ، ولكنه أحكم خلقها ، وقال : خلقه : صورته . وقال أحسن كل شيء القبيح والحسن ، والعقارب ، والحيات ، وكل شيء مما خلق ، وغيره لا يحسن شيئا من ذلك .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : بينما نحن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ لقينا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل ، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم بناحية ثوبه ، فقال يا رسول اللّه إني أحمش الساقين ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا عمرو بن زرارة إن اللّه عز وجل قد أحسن كل شيء يا عمرو إن اللّه لا يحب المسبلين » . وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال : « أبصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم رجلا قد أسبل إزاره فقال ارفع إزارك ، فقال : يا رسول اللّه إني أحنف تصطك ركبتاي ، فقال : ارفع إزارك كل خلق اللّه حسن » « 1 » .
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ
يعني آدم خلقه
مِنْ طِينٍ
فصار على صورة بديعة ، وشكل بديع حسن
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ
أي ذريته
مِنْ سُلالَةٍ
أي نطفة ؛ سميت الذرية سلالة لأنها تنسل من الأصل ، وتنفصل عنه ، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين ، والمذكور هنا صفة آدم ، ثم صفة ذرية آدم
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
أي ممتهن لا خطر له عند الناس ، وهو المني . وقال الزجاج : من ماء ضعيف .
ثُمَّ سَوَّاهُ
أي الإنسان الذي بدأ خلقه من طين وهو آدم ، أو جميع النوع ، والمراد أنه عدل خلقه وسوى شكله ، وقومه وناسب بين أعضائه على ما ينبغي كقوله :
فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 4 ] .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 390 .