تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
سنة أنه يعرج إليه في وقت من تلك الأوقات أو موقف من تلك المواقف وعن مجاهد ، وقتادة والضحاك أنه أراد سبحانه في قوله :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[ المعارج : 4 ] المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى ، التي هي مقام جبريل . والمراد أنه يسير جبريل ومن معه من الملائكة في ذلك المقام إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة في مقدار يوم واحد من أيام الدنيا ، وأراد بقوله :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
المسافة التي بين الأرض وبين السماء الدنيا هبوطا وصعودا فإنها مقدار ألف سنة من أيام الدنيا . وقيل : إن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر ، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع ، لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة ، فقوله :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
يعني : يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة ؛ فكم يكون الشهر منه ، وكم تكون السنة منه ، وعلى هذا فلا فرق بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة . وقيل : غير ذلك ، وقد وقف حبر الأمة ابن عباس لما سئل عن الآيتين ، وقال هما يومان ذكرهما اللّه في كتابه اللّه أعلم بهما ، وأكثره أن أقول في كتاب اللّه ما لا أعلم . وقال ابن المسيب للسائل هذا ابن عباس قد أبى أن يقول فيهما وهو أعلم مني ، والإشارة بقوله :

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 6 إلى 9 ]

ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 )
ذلِكَ
إشارة إلى اللّه باعتبار اتصافه بتلك الأوصاف أي : ذلك الخالق المدبر
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي العالم بما غاب عن الخلق وما حضرهم ، وفي هذا معنى التهديد لأنه سبحانه إذا علم بما يغيب وما يحضر ، فهو مجاز لكل عامل بعمله ، أو فهو يدبر الأمر بما تقتضيه حكمته
الْعَزِيزُ
القاهر الغالب
الرَّحِيمُ
بعباده
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
قرىء بفتح اللام وبإسكانها فعلى الأولى خلقه فعل ماض نعتا لشيء ، وعلى الثانية ففي نصبه أوجه : الأول : أن يكون بدلا من
كُلَّ شَيْءٍ
بدل اشتمال ، والضمير عائد إلى : كل شيء ، وهذا هو الوجه المشهور عند النحاة . الثاني : أنه بدل كل من كل ، والضمير راجع إلى اللّه سبحانه ، ومعنى
أَحْسَنَ
حسن ؛ لأنه ما من شيء إلا وهو مخلوق على ما تقتضيه الحكمة فكل المخلوقات حسنة .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 318 | صديق الحسيني القنوجي البخاري