غيره قرىء من التنزيل والإنزال
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
من الذكور والإناث ، والصلاح والفساد
وَما تَدْرِي نَفْسٌ
من النفوس كائنة ما كانت ، من غير فرق بين الملائكة والأنبياء ، والجن والإنس
ما ذا تَكْسِبُ غَداً
من كسب دين ، أو كسب دنيا ، خير أو شيء .
وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
وقرىء بأية أرض ، وجوز ذلك الفراء ، وهي لغة ضعيفة ، قال الأخفش : يجوز أن يقال مررت بجارية أي جارية ، والمعنى :
ولا تعلم نفس بأي مكان يقضى اللّه عليها بالموت من الأرض في بر أو بحر ، في سهل ، أو جبل ، وربما أقامت بأرض ، وضربت أوتادها ، وقالت : لا أبرحها فترمي بها مرامي القدر حتى تموت مكان لم يخطر ببالها .
روي أن ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه فقال الرجل : من هذا ؟ قال ملك الموت ، قال : كأنه يريدني ، وسأل سليمان عليه السلام أن يحمله على الريح ، ويلقيه ببلاد الهند . ففعل ، ثم قال ملك الموت لسليمان : كان دوام نظري إليه تعجبا منه ، لأني أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك ، ذكره النسفي في المدارك ، ورأى المنصور في منامه صورة ملك الموت ، وسأله عن مدة عمره فأشار بأصابعه الخمس ، فعبرها المعبرون بخمس سنوات ، وبخمسة أشهر ، وبخمسة أيام ، فقال أبو حنيفة : هو إشارة إلى هذه الآية .
فإن هذه العلوم الخمسة لا يعلمها إلا اللّه . قال الكرخي : أضاف في الآية العلم إلى نفسه في الثلاثة من الخمسة المذكورة ، ونفى العلم عن العباد في الأخيرتين منها ، مع أن الخمسة سواء في اختصاص اللّه تعالى بعلمها ، وانتفاء علم العباد بها ، لأن الثلاثة الأولى أمرها أعظم وأفخم ، فخصت بالإضافة إليه تعالى ، والأخيرتان من صفات العباد ، فخصتا بالإضافة إليهم مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما كان انتفاء علم ما عداهما من الخمس أولى :
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بهذه الأشياء ، وبغيرها من الغيوب
خَبِيرٌ
بما كان وبما يكون وببواطن الأشياء كلها ، ليس علمه محيطا بالظاهر فقط . قال ابن عباس : هذه الخمسة لا يعلمها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فإنه كفر بالقرآن . وعن الزهري : أكثروا قراءة سورة لقمان فإن فيها أعاجيب ، واللّه أعلم ، وفيه ردّ على المنجم والكاهن ، اللذين يخبران بوقت الغيث والموت وغيرهما .