تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
بنعمات اللّه جمع نعمة ، والباء للصلة ، أو للحال
لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ
من للتبعيض ، أي بعض آياته ، قال يحيى بن سلام ، وهو جري السفن في البحر بالريح ، وقال ابن شجرة : المراد بقوله ؛ من آياته ما يشاهدونه من قدرة اللّه تعالى . قال النقاش : ما يرزقهم اللّه من البحر .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
هذه الجملة تعليل لما قبلها أي : فيما ذكر لآيات عظيمة ، وعبرا فخيمة لكل من له صبر بليغ ، وشكر كثير ، يصبر عن معاصي اللّه ، ويشكر نعمه ، وهما صفتا المؤمن . فالإيمان نصفان نصفه شكر ، ونصفه صبر ، فكأنه قال : إن في ذلك لآيات لكل مؤمن حيث يبعث في نفسه التفكر في عدم غرقه ، وفي سيره إلى البلاد الشاسعة ، والأقطار البعيدة ، وفي كون سيره ذهابا وإيابا بريحين . وتارة بريح واحدة ، وفي إنجاء أبيه نوح عليه السلام ، ومن أراد اللّه تعالى من خلقه ، وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض ، وفي غير ذلك من شؤونه ، وأموره ، وصنائعه ، وأفعاله .
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ
أي : كالجبال التي تظل من تحتها ، شبه الموج لكبره بما يظل الإنسان من جبل ، أو سحاب ، أو غيرهما ، وإنما شبه الموج وهو واحد ، بالظلل وهي جمع ، لأن الموج يأتي شيئا بعد شيء ، ويركب بعضه بعضا . وقيل : إن الموج في معنى الجمع ، لأنه مصدر ، وأصل الموج الحركة والازدحام ، ومنه يقال ماج البحر ، وماج الناس وقرىء كالظلال جمع ظل .
دَعَوُا اللَّهَ
وحده
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
أي : لا يعولون على غيره في خلاصهم ، لأنهم يعلمون أنه لا يضر ولا ينفع سواه ، ولكنه يغلب على طبائعهم العادات ، وتقليد الأموات ، فإذا وقعوا في مثل هذه الحالة اعترفوا بوحدانية اللّه تعالى ، وأخلصوا دينهم له طلبا للخلاص والسلامة مما وقعوا فيه ، لزوال ما ينازع الفطرة الإيمانية من الهوى والتقليد بما دهاهم من الشدائد .
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ
صاروا قسمين
فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
أي : فقسم مقتصد ، أي : عدل موف في البر ، بما عاهد عليه اللّه في البحر ، من إخلاص الدين له ، باق على ذلك بعد أن نجاه اللّه من هول البحر ، وأخرجه إلى البر سالما . قال الحسن : معنى مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة . وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر . وقال الرازي : المقتصد المتوسط بين السابق بالخيرات ، والظالم لنفسه ، وهو الذي تساوت سيئآته وحسناته ، وقيل : متوسط بين الكفر والإيمان ، لأنه انزجر بعض الانزجار ، ومنهم باق على كفره لأن بعضهم كان أشد قولا ، وأعلى افتراء من بعض ، والأولى ما ذكرناه .