تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
قيل : نزلت في عكرمة بن أبي جهل ، وذلك أنه هرب عام الفتح إلى البحر ، فجاءهم ريح عاصف ، فقال عكرمة : لئن نجانا اللّه من هذا لأرجعن إلى محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ولأضعن يده في يدي ، فسكنت الريح ، ورجع عكرمة إلى مكة ، وحسن إسلامه ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : فمنهم مقتصد ، ومنهم كافر لم يوف بما عاهد ، ويدل على هذا المحذوف قوله :
وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
لأنه نقض العهد الفطري ، ورفض ما كان عليه في البحر ، وهذا في مقابلة صبار ، كما أن
كَفُورٍ
في مقابلة
شَكُورٍ
والختر : أسوأ الغدر وأقبحه . قال الجوهري : الختر : الغدر ، يقال : ختره فهو ختار ، أي : غدار ؛ قال الماوردي : وهذا قول الجمهور ، وقال ابن عطية : إنه الجاحد ، وجحد الآيات إنكارها ، والكفور عظيم الكفر بنعم اللّه سبحانه . قال ابن عباس : ختار : جحاد .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 33 ) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 )
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي
أي : لا يغني ولا يقضي
والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ
شيئا ولا ينفعه بوجه من وجوه النفع ، لاشتغاله بنفسه ، وقد تقدم بيان معناه في البقرة
وَلا مَوْلُودٌ هُوَ
مبتدأ ثان خبره :
جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً
والجملة خبر مولود ، وجاز الابتداء به ، وهو نكرة لأنه في سياق النفي ، ثم الخبر مع المبتدأ كلام وارد على طريق من التوكيد ، لم يرد عليه ما هو معطوف عليه ، لأن الجملة الاسمية ، آكد من الجملة الفعلية ، وقد انضم إلى ذلك قوله
هُوَ
وقوله
مَوْلُودٌ
والسبب في ذلك أن الخطاب للمؤمنين ، فأريد حسم أطماعهم أن ينفعوا آباءهم بالشفاعة في الآخرة ، ومعنى التأكيد في لفظ المولود : أن الواحد منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه لم تقبل شفاعته ، فضلا أن يشفع لأجداده ، إذ الولد يقع على الولد ، وولد الولد ، بخلاف المولود فإنه لمن ولد منك ، كذا في الكشاف . وبالجملة فقد ذكر سبحانه هنا فردين من القرابات ، وهما الوالد والولد ، وهما الغاية في الحنو والمحبة والشفقة على بعضهم البعض ، فما عداهما من القرابات لا يجزي بالأولى ، فكيف بالأجانب ، ونبه أيضا بالأعلى على الأدنى ، وبالأدنى على الأعلى ، فالوالد يجزي عن ولده في الدنيا لكمال شفقته عليه ، والولد يجزي عن والده لما له عليه من حق التربية وغيرها ، فإذا كان يوم القيامة فكل إنسان يقول : نفسي
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 310 | صديق الحسيني القنوجي البخاري