وقد اختلف الناس في هذا على أربعة عشر قولا : أولاها بالصواب مذهب سلف الأمة وأئمتها ، أنه استوى عليه بلا كيف ، مع تنزيهه عما لا يجوز عليه ، والآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة جدا ، وهي تغني عن غيرها .
وردّت الجهمية هذه الصفة الثابتة له سبحانه ، وتبعها المعتزلة ، ورد عليهم الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين بثمانية عشر وجها ، يطول ذكرها ، وقد جمع أهل العلم فيها سيما أهل القرآن وأصحاب الحديث مباحث ، بل رسائل ، بل كتبا ، طولوها بذكر الأدلة النقلية ، بل العقلية ، والمسألة أوضح من أن تلتبس على عارف ، وأبين من أن يحتاج فيها إلى التطويل ، ولكن لما وقعت فيها تلك القلاقل والزلازل بين بعض الطوائف الإسلامية الحق الصراح فيها ، وأطال سيما الحنابلة وأهل الحديث ، فلهم في ذلك الفتن الكبرى ، والملاحم العظمى ، وما زالوا هكذا في عصر بعد عصر إلى يومنا هذا ، والحق ما عرفناك من مذهب السلف الصالح ، فالاستواء على العرش ، وكونه تعالى فوق الخلق عاليا عليهم ، قد نطق به القرآن الكريم في مواطن يكثر حصرها ، ويطول نشرها ، وكذلك صرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في غير حديث ، بل هذا مما يجده كل فرد من أفراد الناس في نفسه ، ويحسه في فطرته ، وتجذبه إليه طبيعته ، كما تراه في كل من استغاث باللّه سبحانه ، والتجأ إليه ، ووجه دعاءه إلى جنابه الرفيع ، وعزه المنيع ، فإنه يشير عند ذلك بكفه ، أو يرمي بطرفه ، يستوي في ذلك عند عروض أسباب الأدعية ، وحدوث بواعث الاستغاثة ، ووجود مقتضيات الانزعاج ، وظهور دواعي الالتجاء ، عالم الناس وجاهلهم ، وباديهم وحاضرهم ، والماشي على طريقة السلف والمقتدي بأهل التأويل من الخلف .
فالسلامة والنجاة في إمرار ذلك على الظاهر والإذعان بأن الاستواء والاستقرار والكون في الفوق ثابتة على ما نطق به الكتاب والسنة من دون تكييف ، ولا تعطيل ، ولا تشبيه ، ولا تمثيل والمؤول غير مقتد بالسلف ، ولا واقف في طريق النجاة ولا معصوم عن الخطأ ، ولا سالك في جادة السلامة والاستقامة . قال في حجة اللّه البالغة :
واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة مشبهة ، وقالوا هم المستترون بالكيفية ، وقد وضح عليّ وضوحا بينا أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنهم مخطئون في مقالتهم ، رواية ودراية ، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى انتهى .
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ
أي ليس لكم من دون اللّه أو من دون عذابه
مِنْ وَلِيٍّ
يواليكم ، ويرد عنكم عذابه
وَلا شَفِيعٍ
يشفع لكم عنده
أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
تذكر تدبر وتفكر ، وتسمعون هذه المواعظ سماع من يفهم ويعقل ، حتى تنتفعوا بها وتؤمنوا ،
ولما بين سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما ؛ بين تدبيره لأمرها فقال :
يُدَبِّرُ
أي يحكم
الْأَمْرَ
بقضائه وقدره
مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
إلى أن