أَ لَمْ تَرَ
الخطاب لكل أحد يصلح لذلك ، أو للرسول صلّى اللّه عليه وسلم
أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
أي : يدخل كل واحد منهما في الآخر ، فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر ، وقد تقدم تفسيره في سورة الحج والأنعام
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
أي : ذللهما وجعلهما منقادين بالطلوع والأفول تقديرا للآجال ، وتتميما للمنافع ، والاختلاف بينهما في الصيغة ، لما أن إيلاج أحد المولجين في الآخر متجدد في كل حين ، وأما تسخير النيرين فأمر لا تعدد فيه ، وإنما التعدد والتجدد في آثاره .
كُلٌّ
منهما
يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
قيل : هو يوم القيامة ، وقيل : وقت الطلوع ووقت الأفول ، وقيل : الشمس إلى آخر السنة ، والقمر إلى آخر الشهر ، والأول أولى ، وقال هنا بلفظ :
إِلى
، وفي فاطر ، والزمر ، بلفظ اللام ، لأن ما هنا ، وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهي إليه الخلق ، وهما قوله :
ما خَلْقُكُمْ
الآية وقوله :
اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً
[ لقمان : 33 ] الآية فناسب ذكر
إِلى
الدالة على الانتهاء ، وما في فاطر والزمر خال عن ذلك ، إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما في الزمر ذكر مع ابتدائه ، فناسب ذكر اللام ، والمعنى : يجري كل كما ذكر لبلوغ أجل . قاله الكرخي .
وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
لا تخفى عليه خافية ، لأن من قدر على مثل هذه الأمور العظيمة فقدرته على العلم بما يعملونه بالأولى ، وهو عطف على أن اللّه يولج الخ ، داخل معه في حيز الرؤية
ذلِكَ
أي : ما تقدم ذكره من الآيات الكريمة المشتملة على سعة العلم ، وشمول القدرة ، وعجائب الصنع واختصاص الباري بها
بِأَنَّ اللَّهَ
أي : بسبب أنه سبحانه
هُوَ الْحَقُّ
الثابت ألوهيته ، أو فعل ذلك ليعلموا أنه الحق ، وهو المستحق للعبادة
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ
لا يستحق العبادة ، قال مجاهد : الذي يدعون من دونه هو الشيطان ، وقيل : ما أشركوا به من صنم أو غيره ، وهذا أولى .
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
أي : أن ذلك الصنع البديع الذي وصفه في الآيات المتقدمة ، للاستدلال به على حقية اللّه ، وبطلان ما سواه ، وعلوه وكبريائه على الخلق ، له الصفات العليا ، والأسماء الحسنى ، وهو علي الذات ، سمي الصفات ، كبير الشأن ، جليل القدر ، رفيع الذكر ، مطاع الأمر جلي البرهان ، ثم ذكر من عجيب صنعه ، وبديع قدرته ، وغاية حكمته ، وشمول إنعامه نوعا آخر فقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ
أي : السفن والمراكب
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ
أي بلطفه بكم ، ورحمته لكم ، أو بالريح لأنها من نعم اللّه تعالى ، وذلك من أعظم نعمه عليكم ، لأنها تخلصكم من الغرق عند أسفاركم في البحر لطلب الرزق ، وقرىء