تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
شريكا له ، أو المعنى : فقل : الحمد على ما هدانا له من دينه ، ولا حمد لغيره ، أو على أن جعل دلائل التوحيد بحيث لا يكاد ينكرها المكابرون ويجحدها الجاحدون ، ثم أضرب عن ذلك فقال
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن ذلك يلزمهم ، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ، وقيل : لا ينظرون ، ولا يتدبرون حتى يعلموا أن خالق هذه الأشياء هو الذي تجب له العبادة دون غيره .
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ملكا وخلقا وعبيدا ، فلا يستحق العبادة فيهما غيره
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ
عن غيره
الْحَمِيدُ
أي : المستحق للحمد ، وإن لم يحمدوه ، أو المحمود من عاده بلسان المقال ، أو بلسان الحال ، ثم لما ذكر سبحانه أن له ما في السماوات والأرض ، أتبعه بما يدل على أن له وراء ذلك ما لا يحيط به عد ، ولا يحصر بحد ، فقال :
وَلَوْ أَنَّ
جميع
ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
وحد الشجرة لما تقرر في علم المعاني أن استغراق المفرد أشمل ، قيل : وتوحيد شجرة لأن المراد تفصيل الشجر ، واستقصاؤه ، فكأنه قال : كل شجرة شجرة حتى لا تبقى من جنس الشجر واحدة إلا وقد بريت أقلاما ، ولو لم يفرد لم يفد هذا المعنى إذا الجمع يتحقق بما فوق الثلاثة ، إلا أن تدخل عليه لام الاستغراق هكذا قرروه ، قال الشهاب : وفيه بحث فإن إفادة المفرد التفصيل بدون تكرار أو الاستغراق بدون نفي محل نظر ، لأنه إنما عهد ذلك في نحو جاءوني رجلا رجلا وما عندي تمرة . قال أبو حيان : وهو من وقوع المفرد موقع الجمع ، والنكرة موقع المعرفة ، كقوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
[ البقرة : 106 ] ، وجمع الأقلام لقصد التكثير ، أي : ولو أن يعد كل شجرة من الشجر أقلاما ، ثم قال سبحانه :
وَالْبَحْرُ
أي المحيط لأنه المتبادر من التعريف ، إذ هو الفرد الكامل قرىء البحر بالرفع على أنه مبتدأ ، وخبره يمده ، وبالنصب عطفا على اسم أن ، أو بفعل مضمر يفسره
يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ
أي : بعد نفاده
سَبْعَةُ أَبْحُرٍ
أي : والحال أن البحر المحيط مع سعته يمده السبعة الأبحر مدا لا ينقطع ، كذا قال سيبويه . وقال المبرد : إن البحر مرتفع بفعل مقدر ، تقديره : ولو ثبت البحر حال كونه تمده من بعده سبعة أبحر ، وقرىء : يمده من أمد ، وقرىء : والبحر مداده ، وجواب لو :
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
التي هي عبارة عن معلوماته ، لأنها لا نهاية لها ، قال أبو علي الفارسي : المراد بالكلمات - واللّه أعلم - ما في المقدور والإمكان ، دون ما خرج منه إلى الوجود والزمان ، ووافقه القفال ، فقال : المعنى : أن الأشجار لو كانت أقلاما ، والبحار مدادا ، فكتب بها عجائب صنع اللّه تعالى ، الدالة على قدرته
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 306 | صديق الحسيني القنوجي البخاري