فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه ، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده ؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب .
وكان طريقة الأئمة اتباع الحجة ، والنهي عن تقليدهم فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ، ونهى اللّه ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقهم ، بل هو من المخالفين لهم ، وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة ، وانقاد للدليل ، ولم يتخذ رجلا بعينه سوى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يجعله مختارا على الكتاب والسنة ، يعرضهما على قوله ، وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعا ، وقد فرق اللّه ورسوله وأهل العلم بينهما ، كما فرقت الحقائق بينهما فإن الاتباع سلوك المتبع ، والإتيان بمثل ما أتى به ، والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله ، وبيان زلة العالم ، ليبينوا بذلك فساد التقليد ، وأن العالم قد يزل ولا بد إذ ليس بمعصوم ، فلا يجوز قبول كل ما يقوله ، وينزل قوله منزلة المعصوم ، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض ، وحرموه وذموا أهله وهو أصلا بلاء المقلدين وفتنتهم ، فإنهم يقلدون العالم فيما يزل فيه وفيما لم يزل ، وليس لهم تمييز بين ذلك ، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد ، فيحلون ما حرم اللّه ويحرمون ما أحل اللّه ، ويشرعون ما لم يشرع ولا بد لهم من ذلك ، إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه فالخطأ واقع منه ولا بد . انتهى ، بتصرف في العبارة ثم قال على طريق الاستفهام للاستبعاد والتبكيت .
أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ
أي : آباءهم الذين اقتدوا بهم في دينهم أي :
يتبعونهم في الشرك ، ولو كان الشيطان يدعوهم فيما هم عليه من الشرك ويجوز أن يراد أنه يدعو هؤلاء الأتباع .
إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
لأنه زين لهم اتباع آبائهم ، والتدين بدينهم ، والأول أولى . لأن مدار إنكار الأتباع واستبعاده كون المتبوعين تابعين للشيطان لا كون أنفسهم كذلك ، ويجوز أن يراد أنه يدعو جميع التابعين والمتبوعين إلى العذاب ، فدعاؤه المتبوعين بتزيينه لهم الشرك ، ودعاؤه للتابعين بتزيينه لهم دين آبائهم ، وجواب
لَوْ
محذوف ، أي : يدعوهم فيتبعونه ، وما أقبح التقليد وأكثر ضرره على صاحبه ، وأوخم عاقبته وأشأم عائدته على من وقع فيه ، فإن الداعي له إلى ما أنزل اللّه على رسوله كمن يريد أن يذود الفراش عن لهب النار لئلا تحرق ، فتأبى ذلك وتتهافت في نار الحريق ، وعذاب السعير .
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
أي : يفوض أمره إليه . ويخلص له عبادته ، ويقبل عليه بكليته ، وقرىء من يسلم بالتشديد . قال النحاس : التخفيف في هذا أعرف ، كما قال عز وجل :
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
[ آل عمران : 20 ] .