تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
فما ستر من عورتك ، ولو أبداها لقلاك أهلك ، فمن سواهم » . أخرجه البيهقي . وعنه قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ
الخ ، فقال : « أما الظاهرة فالإسلام ، وما سوى من خلقك وما أسبغ عليك من رزقه ، وأما الباطنة فما ستر من مساوي عملك » أخرجه ابن النجار والديلمي والبيهقي وعنه قال : النعمة الظاهرة : الإسلام . والنعمة الباطنة : كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود ، أخرجه ابن مردويه وعنه أنه قال في تفسير الآية : هي لا إله إلا اللّه .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ
أي : في شأن اللّه سبحانه في توحيده وصفاته مكابرة ، وعنادا بعد ظهور الحق له ، وقيام الحجة عليه ، ولهذا قال
بِغَيْرِ عِلْمٍ
مستفاد من عقل ونقل
وَلا هُدىً
من جهة رسول يهتدى به إلى طريق الصواب .
وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
نير واضح أنزله اللّه : بل مجرد تعنت ومحض عناد وتقليد ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة . قيل : نزلت في النضر بن الحرث ، وأبي بن خلف ، وأمية بن خلف ، وأشباههم ، كانوا يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلم في اللّه ، وفي صفاته بغير علم .
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ
أي : لهؤلاء المجادلين ، والجمع باعتبار معنى « من »
اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ
على رسوله من الكتاب ، تمسكوا بمجرد التقليد البحت ، و
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا
فنعبد ما كانوا يعبدونه من الأصنام ، ونمشي في الطريق التي كانوا يمشون فيها في دينهم ؛ ومثل هذا القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء . قال ابن القيم : قد احتج العلماء بهذه الآية وأمثالها في أبطال التقليد ، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر ، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجلا فكفر ، وقلد آخر فأذنب ، وقلد آخر في مسألة فأخطأ ، وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ، لأن كل تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه ، والتقليد أنواع : أحدها : الإعراض عما أنزل اللّه ، وعدم الالتفات إليه ، اكتفاء بتقليد الآباء . الثاني : تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله . الثالث : التقليد بعد قيام الحجة ، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد ، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة ، وهذا قلد بعد ظهور الحجة له فهو أولى بالذم ومعصية اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ذم اللّه سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه ، والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم ، ولا يكون العبد مهتديا حتى يتبع ما أنزل اللّه على رسوله ، فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل اللّه على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد ، وإن كان لم يعرف ما أنزل اللّه