أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
قال الزجاج :
معنى تسخيرها للآدميين : الانتفاع بها ، انتهى ، فمن مخلوقات السماوات المسخرة لبني آدم بأمر اللّه سبحانه : الشمس ، والقمر ، والنجوم ، والسحاب . وغير ذلك ومن مخلوقات الأرض المسخرة : الأحجار ، والمعادن ، والتراب ، والزرع ، والشجر ، والثمر ، والبحار ، والأنهار ، والحيوانات ، والدواب التي ينتفعون بها ، والعشب الذي يرعون فيه دوابهم ، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة ، فالمراد بالتسخير : جعل المسخر بحيث ينتفع به بالمسخر له ، سواء كان منقادا له وداخلا تحت تصرفه أم لا .
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
أي : أتم وأكمل عليكم نعمه ، يقال :
سبغت النعمة إذا تمت وكملت ، وقرىء أصبغ بإبدال السين صادا وهي لغة كلب ، يفعلون ذلك في كل سين اجتمع مع الغين ، والخاء والقاف ، كصلخ وصقر ، والنعم جمع نعمة ، وقرىء نعمة على الإفراد والتنوين ، اسم جنس يراد به الجمع ، ويدل به على الكثرة ، كقوله تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ النحل : 18 ] ، والنعمة : كل نفع قصد به الإحسان .
والمراد بالنعم الظاهرة : ما يدرك بالعقل أو الحس ، ويعرفه من يتعرفه .
وبالباطنة : ما لا يدرك للناس ، ويخفى عليهم . وقيل : الظاهرة الصحة ، وكمال الخلق ، والبصر ، والسمع ، واللسان ، وسائر الجوارح الظاهرة . والباطنة : المعرفة ، والعقل ، والقلب ، والفهم ، وما أشبه ذلك . وقيل : الظاهرة : ما يرى بالأبصار من المال والجاه ، والجمال ، وفعل الطاعات ، والباطنة : ما يجده المرء في نفسه من العلم باللّه ، وحسن اليقين ، وما يدفعه اللّه عن العبد من الآفات ، وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة ، كلها ترجع إلى هذا .
وقيل : الظاهرة : نعم الدنيا ، والباطنة : نعم الآخرة ، وقيل : الظاهرة الإسلام والقرآن والجمال ، والباطنة : ما ستره اللّه عن العبد من الأعمال السيئة ، وقيل : الظاهرة :
تسوية الأعضاء ، وحسن الصورة ، والباطنة : الاعتقاد بالقلب . وقيل : الظاهرة : الرزق ، والباطنة : حسن الخلق . وقيل : الظاهرة : تخفيف الشرائع ، والباطنة : الشفاعة . وقيل الظاهرة : ظهور الإسلام والنصر على الأعداء . والباطنة الإمداد بالملائكة . وقيل :
الظاهرة : اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . والباطنة : محبته . واللفظ أعم من ذلك .
وعن عطاء قال : سألت ابن عباس عن هذا ، فقال هذه من كنوز علمي ، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « أما الظاهرة فما سوى من خلقك ، وأما الباطنة