نعمه على الكافر الجاحد ، فينبغي للعارف أن لا يتكبر على عباده ، وليس منه التحديث بنعم اللّه ، فإن اللّه يقول :
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
[ الضحى : 11 ] .
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ
أي : توسط فيه ، والقصد ما بين الإسراع والبطء ، يقال :
قصد فلان في مشيته : إذا مشى مستويا لا يدب دبيت المتمادين ، ولا يثب وثوب الشياطين . وقد ثبت « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا مشى أسرع » ، فلا بد أن يحمل القصد هنا على ما جاوز الحد في السرعة ، وقال مقاتل : معناه لا تختل في مشيتك ، وقال ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب اليهود ، ودبيت النصارى ، ولكن مشيا بين ذلك ، وقيل : انظر موضع قدميك تواضعا ، والمعنى أعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين الدبيب والإسراع . وقال عطاء : امش بالسكينة والوقار ، كقوله :
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] .
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
أي : أنقص منه واخفضه ، ولا تتكلف رفعه فإن الجهر بأكثر من الحاجة يؤذي السامع ، و ( من ) تبعيضية ، وعند الأخفش مزيدة ، ويؤيده قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ
[ الحجرات : 3 ] ، والمعنى : شيئا من صوتك وكانت الجاهلية يتمدحون برفع الصوت .
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ
أي : أوحشها وأقبحها
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
تعليل للأمر بالغض من الصوت على أبلغ وجه وآكده ، قال قتادة : أقبح الأصوات صوت الحمير ، أوله زفير ، أي : صوت قوي وآخره شهيق ، أي : صوت ضعيف ، وهما صوتا أهل النار ، وأنكر ، قيل : مبني من الفعل المبني للمفعول ، نحو أشغل من ذات النحبيين ، وهو مختلف فيه ، قال المبرد : تأويله إن الجهر بالصوت ليس بمحمود ، وإنه داخل في باب الصوت المنكر ، واللام للتأكيد ، ووحد الصوت مع كونه مضافا إلى الجمع لأنه مصدر ، وهو يدل على الكثرة ، وهو مصدر : صات يصوت صوتا فهو صائت .
وقيل : إنما وحده ولم يجمع لأنه لم يرد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع بل المراد أن تكل جنس من الحيوان له صوت ، وأنكر أصوات هذه الأجناس صوت هذا الجنس ؛ فوجب توحيده . وعن الثوري في الآية قال : صياح كل شيء تسبيح إلا الحمار . وقيل : معنى الآية هو : العطسة القبيحة المنكرة ، والأول أولى ، وفي تشبيه الرافعين أصواتهم بالحمير ، وتمثيل أصواتهم بالنهاق ، تنبيه على أن رفع الصوت في غاية الكراهة ، ولما فرغ سبحانه من قصة لقمان رجع إلى توبيخ المشركين وتبكيتهم ، وإقامة الحجج عليهم ، فقال :
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 20 إلى 22 ]
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 22 )