تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
اللّه من التوبة ، والعمل الصالح ، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم ، يقال : استعتبته فأعتبني ، أي : استرضيته فأرضاني ، وذلك إذا كنت جانيا عليه ، وحقيقة أعتبته : أزلت عتبه ، والمعنى : أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة ، كما دعوا إلى ذلك في الدنيا .

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ ( 58 ) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ( 60 )
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ
أي : وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن ، كصفة المبعوثين يوم القيامة ، وقصتهم وما يقولون ؛ وما يقال لهم ، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم ، وكذا ضربنا لهم من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد اللّه ، وصدق رسله ، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك وفيه إشارة إلى إزالة الأعذار ، والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار .
وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ
من آيات القرآن الناطقة بذلك ، أو لئن جئتهم بآية كالعصا ، واليد ، أو جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل
لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
منهم
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
أي : ما أنت يا محمد وأصحابك إلا أصحاب أباطيل ، تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان ، أو أنكم كلكم أيها الرسل مبطلون ، واللام مؤكدة واقعة في جواب القسم .
كَذلِكَ
الطبع
يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
أي : الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق والتوحيد ، وينجون به من الباطل والشرك ، والمصرين على خرافات اعتقدوها ، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ، ويوجب تكذيب المحق ؛ ثم أمر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بالصبر ، معللا ذلك بحقية وعده سبحانه ، وعدم الخلف فيه ، فقال :
فَاصْبِرْ
على ما تسمعه منهم من الأذى ، وتنظره من الأفعال الكفرية ، والفاء فصيحة .
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
وقد وعدك بالنصر عليهم ، وإعلاء حجتك ، وإظهار دعوتك ، ووعده حق لا خلف فيه
وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ
أي : لا يحملنك يا محمد صلّى اللّه عليه وسلم على الخفة والجهل والطيش بترك الصبر ، ولا يستفزنك عن دينك وما أنت عليه ، يقال : استخف فلان أي : استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي ، وقرىء من الاستحقاق ، والنهي في الآية من باب لا أرينك ههنا
الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
باللّه ، ولا يصدقون أنبياءه ولا يؤمنون بكتبه ، ولا بالبعث والحساب .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 289 | صديق الحسيني القنوجي البخاري