غَيْرَ ساعَةٍ
فيمكن أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم ، واستقر ذلك في أذهانهم ، فحلفوا عليه ، وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع ، وقال ابن قتيبة : إنهم كذبوا في هذا الوقت ، كما كانوا يكذبون من قبل ، وهذا هو الظاهر لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا ، فقد علم كل واحد منهم مقداره ، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة أن ؟ كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ .
كَذلِكَ
الصرف
كانُوا يُؤْفَكُونَ
أي : يصرفون ويقولون :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
[ الأنعام : 29 ] ، يقال : أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والحق . وقيل : المراد يصرفون عن الحق ، وقيل : عن الخير ، والأول أولى ، وهو دليل على أن حلفهم كذب .
وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ
اختلف في تعيين هؤلاء ، فقيل : الملائكة ، وقيل : الأنبياء ، وقيل : علماء الأمم وقيل مؤمنو هذه الأمة ، ولا مانع من الحمل على الجميع . قالوا ردا على هؤلاء الكفرة وتكذيبا لهم :
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ
أي : سابق علمه ، وسالف قضائه
إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ
قال الزجاج : في علم اللّه المثبت في اللوح المحفوظ ، قال الواحدي : المفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير ، على تقدير : وقال الذين أوتوا العلم في كتاب اللّه ، وكان ردّ الذين أوتوا العلم عليهم باليمين للتأكيد ، أو للمقابلة لليمين باليمين ، ردوا ما قالوه ، وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة ، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث ، فنبهوهم على طريقة التبكيت بقولهم :
فَهذا
الوقت الذي صاروا فيه هو
يَوْمِ الْبَعْثِ
الذي كنتم تنكرونه في الدنيا ، وقيل : الفاء جواب شرط محذوف تقديره : إن كنتم منكرين للبعث ، فهذا يومه ، أي : فقد تبين بطلان إنكاركم
وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
أنه حق وقوعه في الدنيا ، بل كنتم تستعجلونه تكذيبا واستهزاء .
فَيَوْمَئِذٍ
الفاء تفصيل ، لما يفهم مما قبلها ، من أنه لا يفيدهم تقليل مدة اللبث ، ولا النسيان ، أو هو جواب شرط مقدر أيضا .
لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ
أي : لا ينفعهم الاعتذار يومئذ ، ولا يفيدهم علمهم بالقيامة ، كأنهم توهموا أن التقليل ونحوه عذر في عدم طاعتهم ، كقوله :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
[ فاطر : 37 ] وقيل : لما ردّ عليهم المؤمنون ، سألوا الرجوع إلى الدنيا ، واعتذروا فلم يعذروا . قرىء لا ينفع بالتحتية وبالفوقية ، وهما سبعيتان .
وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
أي : لا يطلب منهم العتبى ، وهو الرجوع إلى ما يرضى