تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم . قال ابن عطية : فإذا قل المطر قل الغوص فيه ، وعميت دواب البحر . وقيل غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه ، والظاهر من الآية ظهور ما يصح اطلاق اسم الفساد عليه ، سواء كان راجعا إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات ، وتقاطعهم وتظالمهم ، وتقاتلهم ، أو راجعا إلى ما هو من جهة اللّه سبحانه ، بسبب ذنوبهم ، كالقحط وكثرة الخوف ، والموتان ونقصان الزرائع والثمار ، وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء ، والبر والبحر هما المعروفان المشهوران . وقيل : البر الفيافي ، والبحر القرى التي على ماء ، قاله عكرمة ، والعرب تسمي الأمصار البحار . قال مجاهد : البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر ، والبحر ما كان على شط نهر ، وعن ابن عباس نحوه ، والأول أولى ، ويكون معنى البر مدن البر ، ومعنى البحر مدن البحر ، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها .
بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
من المعاصي والذنوب ، والباء للسببية وأما ( ما ) موصولة أو مصدرية
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا
اللام للعلة ، أي : ليذيقهم بعض عقوبة عملهم ، أو جزاء بعض عملهم في الدنيا ، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة . وقيل ؛ للصيرورة ، قرىء بالياء وبنون العظمة
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
عما هم فيه من المعاصي ، ويتوبون إلى اللّه ، قال ابن عباس : يرجعون من الذنوب . ولما بيّن سبحانه ظهور الفساد فيهما بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بيّن لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأول فقال :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ
أمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم ، ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم . فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة ، كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار
كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ
مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها ، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه ، وهو فشو الشرك والعصيان فيما بينهم ، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم .

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 43 إلى 47 ]

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 )
فَأَقِمْ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأمته أسوته فيه ، كأن المعنى : إذا قد ظهر الفساد
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 281 | صديق الحسيني القنوجي البخاري