وقرىء بفتح العين اسم مفعول وفيه التفات حسن عن الخطاب ، لأنه يفيد التعظيم ، كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفا لحالهم ، فهو أمدح لهم من أن يقول : فأنتم المضعفون أو للتعميم لغير المخاطبين ، كأنه قال : من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين ، وكان مقتضى ظاهر المقابلة أن يقال : فيربو عند اللّه فغير عبارة الربا إلى الإضعاف ونظم الفعلية إلى الاسمية الدال على الدوام ، المشتملة على ضمير الفصل ، المفيد للحصر ، والمعنى : المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى ما الموصولة .
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين ، وأنه الخالق الرازق ، المميت المحيي ، أي المختص بالخلق ، والرزق ، والإماتة ، والإحياء ؛ ثم قال على جهة الاستفهام :
هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ
أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء ، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة ويجعلون لهم نصيبا من أموالهم .
مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ
أي : الخلق والرزق والإماتة والإحياء
مِنْ شَيْءٍ
أي شيئا من هذه الأفعال ؟ ومعلوم أنهم يقولون : ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك ، فتقوم عليهم الحجة ، و ( من ) الأولى والثانية لبيان شروع الحكم في جنس الشركاء والأفعال ، والثالثة مزيدة لتعميم النفي ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال :
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي نزهوه تنزيها ، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك .
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 41 إلى 42 ]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 )
ظَهَرَ الْفَسادُ
بيّن سبحانه أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
أي العالم ، والفساد من فسد كنصر وكرم ، فسادا ضد صلح فهو فاسد ، والفساد أخذ المال ظلما والجدب والمفسدة ضد المصلحة ، واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور ، فقيل : هو القحط وعدم النبات ونقصان الرزق ، وكثرة الخوف ، ونحو ذلك ، وقال مجاهد وعكرمة : فساد البر قتل ابن آدم أخاه . يعني قتل قابيل لهابيل ، وفساد البحر الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا وليت شعري أي دليل دلهم على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب ؟ فإن الآية نزلت على محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والتعريف في الفساد يدل على الجنس ، فيعم كل فساد واقع في حيز البر والبحر .
وقال السدي : الفساد الشرك ، وهو أعظم الفساد ، ويمكن أن يقال : إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي ، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه وقيل : الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش ، وقيل : قطع السبل والظلم وقيل : نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا ، قال النحاس : وهو أحسن ما قيل في الآية . وعنه أن